الرئيسيةكتاب و آراءعندما تتعدد الأصوات.. من يوجه الإنسان...
كتاب و آراء

عندما تتعدد الأصوات.. من يوجه الإنسان في عصر المعلومات؟

23/09/2026 11:01

تعدد الأصوات وتأثيرها على الاختيار

يبدأ د. رياض بن ناصر الفريجي مقالته الأسبوعية في صحيفة الوئام بتأمل في مجال الاتصال كما نعيشه يوميًا؛ حيث تحيط بنا الرسائل وتشكل معانينا وتحدد مواقفنا، وغالبًا ما يبدأ التأثير بكلمة بسيطة. يفتتح مقالته المعنونة «اذهب بكتابي» بسؤال يثير التفكير.

لم تعد المشكلة تكمن في غياب من يسعى للتأثير على الإنسان، بل أصبح المشهد أكثر ازدحامًا من أي وقت مضى. الهاتف الذكي في اليد يعرض المستخدم لتيار من الآراء والنصائح والتوصيات: مؤثر يقترح، وخبير يحذر، وصديق يشارك، ومنصة ترشح، وخوارزمية تتعلم ما يجذب الانتباه ثم تقدم المزيد من نفس النوع.

وهنا يبرز سؤال اتصالي يستحق التأمل: عندما تتعدد الأصوات، من يقود الإنسان؟

الدرس القرآني عن التعدد والتنازع

يقدّم القرآن الكريم صورة بليغة لهذه الحالة في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾، والمثل في أصله يقرّر معنىً عقديًا واضحًا، لكنه يقدم كذلك صورةً ثرية للتأمل في أثر تعدد الجهات التي تتنازع الإنسان: رجل تتجاذبه مطالب متعددة، وآخر يعرف وجهته.
ولعل كلمة “متشاكسون” تفتح زاوية أعمق؛ فالقضية تتجاوز كثرة الأصوات إلى اختلافها وتنافسها على الإنسان؛ وهذا قريب من حال المتلقي اليوم، حين يجد في شاشة واحدة متخصصًا يقدم معرفة موثوقة، ومشهورًا يقدم رأيًا، وتجربة شخصية، ومحتوى دعائيًا، وكلها تظهر متجاورة حتى تبدو أحيانًا متساوية في قيمتها المعرفية.

مسؤولية التمييز وبناء مرجعية للاختيار

وفي مجال الاتصال، لا تنبع قوة التأثير دائمًا من قوة الرسالة وحدها؛ بل يلعب مصدر الرسالة دورًا كبيرًا في ذلك. فمن يتحدث؟ وبأي سلطة معرفية؟ وما مقدار الثقة التي يمنحه المتلقي له؟ هذه الأسئلة تكتسب أهمية أكبر عندما يقف الفرد أمام عشرات المصادر التي تتحدث عن نفس الموضوع.

المفارقة أن وفرة المصادر المفترض أن توسّع مساحة الاختيار، لكنها قد تجعل عملية الاختيار أكثر تعقيدًا. فالمتلقي اليوم لا يعاني من نقص في من يخبره بما يجب فعله؛ بل يدخل في منافسة على عقله وقراره وانتباهه.

المشكلة ليست في تعدد الأصوات بحد ذاته؛ فالنوع يثري المعرفة ويكشف جوانب متعددة. الصعوبة تظهر عندما يتساوى في ذهن المتلقي العالم والمشاهير، والمتخصص والمؤثر، والخبرة والرواج. في هذه الحالة تتحول كثرة المصادر من فرصة للمعرفة إلى عبء في الاختيار.

لقد أتاحت التقنية فرصة غير مسبوقة لسماع كل صوت، وهذا مكسب كبير، لكنها فرضت على المتلقي مسؤولية أكبر في التمييز بين المعرفة والرأي، وبين الخبرة والشهرة، وبين ما يستحق الإصغاء وما يجيد فقط جذب الانتباه. وفرة الأصوات إنجاز تقني، أما معرفة الصوت الجدير بالثقة فهي مسؤولية إنسانية.

لهذا أرى أن أهم مهارة الإنسان في عصر الاتصال ليست القدرة على الوصول إلى المعلومة؛ فالوصول إليها أصبح يسيرًا. المهارة الأصعب هي بناء مرجعية للاختيار: من يستحق أن أسمع له في هذا الموضوع؟ ولماذا؟ فالإنسان اليوم يمتلك أصواتًا أكثر من أي جيل سبقه، لكنه ما زال يواجه مهمة أصعب: تحديد أي من هذه الأصوات يستحق أن يقوده.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *