الرئيسيةكتاب و آراءطموحات جيل ألفا بين الشهرة والمهنة:...
كتاب و آراء

طموحات جيل ألفا بين الشهرة والمهنة: هل تتراجع المهن التقليدية؟

فيصل آل عمر

قبل أيام معدودة كنت برفقة ابن أختي في بداية مرحلة “kg” التي لا أستوعبها، حيث تمتد من 5 حتى 20 “ربما سأفهمها عندما أصبح أباً!”. وعندما سألته عن طموحه المستقبلي قال: “مشهور في تيك توك!”. حاولت جاهداً أن أستعرض له نجاحات المحيطين به، مثل خاله الطبيب أو أي إنجاز آخر حوله، لكنه كان مصراً على أنه يستحق أن يكون “مشهوراً في روبلكس”، ولا أستطيع لومه إطلاقاً!

الشهرة كطموح مهني

وفقاً لاستطلاع أجرته منصة Whop عام 2024، فإن العمل كصانع محتوى على يوتيوب أو تيك توك يتصدر قائمة الطموحات المهنية لدى جيل ألفا في الولايات المتحدة مثلاً. وهذا ليس مستغرباً، فالوظيفة الحلم تختلف حسب أسباب ودوافع كل شخص. فهناك جيل نشأ على أن الوظيفة تمنح مكانة اجتماعية، فيطمح لأن يكون محامياً أو تاجراً. وآخر يهمه “الندرة” فيتجه نحو الطب والهندسة. وآخر ربما يسير على خطى والده ليصبح معلماً. الدوافع متعددة بطبيعتها، وأحد أهم الدوافع حالياً هو المال والشهرة.

ربما سيتصفح يوماً منصة يوتيوب ويجد مقطعاً بعنوان “كيف عشت في الرياض بـ 50 ألف ريال فقط!”، ثم ينتقل إلى تطبيق X ليجد طبيباً يتذمر من اختباره رقم 67 هذا الفصل الدراسي. فأي الفريقين سيجعله يميل إليهما؟

تضارب الرسائل وانعكاسه على الاختيار

في كثير من مقاطع المشاهير على منصات التواصل الاجتماعي، يخرج بعضهم ويقول: “تركت الوظيفة من أجل اليوتيوب”، بينما يسمع الآخر في الوقت نفسه كلمة: “أبحث عن وظيفة براتب أعلى رغم أنني مهندس”. هذا يبرر له عدم الطموح لأن يصبح مهندساً أو طبيباً، حين يرى أن دخل من حوله كله قد يتحقق عندما يشاهد “بثاً” مباشراً في أي تطبيق، ويحصل المقدم على هذا الدخل في ساعة واحدة وهو جالس على كرسيه لم يبرحه دقيقة.

فهل ستترك المهن التقليدية لأجل الجديدة؟

دروس من الثورة الصناعية

في بداية الثورة الصناعية في أوروبا، اعتقد كثيرون أن الأجهزة ستنهي عصر الإنسان وأن الآلة ستصبح كل شيء. فلن تجد خياطاً أو مزارعاً أو صانعاً يدوياً للأسلحة بعد مرور السنوات. وانتقل الكثير من الأبناء من أعمال عائلاتهم إلى المصانع ليصبحوا “مصنعجية” بدلاً من أن يكونوا مجرد خياطين. وبعد مرور السنوات، أصبحت الأعمال التقليدية ذات جدوى، والصنعة “اليدوية” تمتلك تسعيراً أعلى من التي تقدمها الآلة رغم دقتها. لكن في النهاية تعود الثقة الإنسانية إلى الشيء الذي يألفه.

وهذه التجربة ليست بعيدة تماماً عما يحدث الآن، فالقاسم المشترك هو “الحاجة للمعيشة”. فالفكرة سابقاً كانت: ما الذي سأحصل عليه من عملي في الحرفة أو المصنع من مال؟ الآن، إن كان الهدف وحده “المال”، فلن يكون مفاجئاً أن نسمع الأجيال القادمة تتنافس من أجل الحصول على مكان في قائمة المشتركين لديك.

وبطبيعة الحال، لن تندثر المِهنة الحقيقية مقابل الشهرة والمال وحدهما.

مهنة أم رغبة؟

هذه مِهنة وتلك رغبة. يجب أن يفسر الأمر جيداً في البداية لنعرف أن “الشهرة” رغبة، بينما العمل “مِهنة”. وما بين هذه وتلك مسافة شاسعة بين النفس وما تهوى والروح وما تميل إليه. فحين نقول: “هذا طبيب ماهر، لكنه يعمل في قرية نائية”، فهو في داخله قد حاز الدنيا، يمتلك بين يديه مهنة تجعله قادراً على المعيشة، وصنعة تدفعه للاستيقاظ صباحاً راغباً في التقدم فيها “هي”. أي نجاح له يدور حولها وأي فشل لن يرضيه بها. أما الرغبة؟ فالجميع راغب، الكل يتمنى ويريد ويرجو، ولكن بين هذا وذاك مسافة شاسعة في مسألة تقدير الذات وما تحقق. فالسعي وراء “الشهرة” مساحة مرعبة، جبل عالٍ يغري صعوده ويخيفك السقوط منه. من ساعدوك على صعوده هم من سيتركونك هناك وينتقلون لمكان آخر. فالرغبات مغرية، تستحوذ على العقل والنفس وتتدخل في قرارات الإنسان، ومعيار التقييم هنا غير معلوم، فربما كنت مبدعاً لكن مقاييس “الرغبة” لدى الجمهور تغيرت، بينما في العمل، معايير “المهنة” ثابتة.

جيل من المشاهير.. انتهى

وفي رحلة المشاهير، يمكنك أن تأخذ اسم مشاهير سنة عشوائية في عام عشوائي، ثم تسأل السؤال الشهير: أين هم الآن؟ ستجد أن جلهم اختفى وانتهى صيته. يمر بمرحلة من الشهرة المذهلة، قبل أن تنطفئ، وينتقل لسنوات من محاولة إرضاء الجماهير و”صيد جوهم”، وتنتهي بنبذه أكثر حتى يصل لحالة مرعبة من إنكار ما وصل إليه. وفي العام نفسه، ستجد أن دفعة من المتفوقين لم يبرحوا سلم التفوق ولا زالوا يمارسون نجاحاتهم “المهنية” بعيداً عن أي رغبة.

لا يمكن القول: “لا تبحث عن الشهرة، والمشاهير أشرار”، فالمسألة ليست بهذه السذاجة والمباشرة. ولكن يمكن القول إن الالتزام المهني تجاه أي عمل يصنع منه شهرة رصينة تستحق أن يخلد اسم صاحبها. فبالتأكيد الموهوب سيشتهر، والناجح سيعرف. ولكن لو عدنا لأصل شهرة كل المبدعين، سنجد أن الشهرة ركضت إليهم، بينما هم كانوا يركضون وراء المهنة.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *