جدل المنفذ البحري الإثيوبي يُعمّق الخلاف مع مصر.. تفاوض أم مواجهة؟

جدل المنفذ البحري الإثيوبي يُعمّق الخلاف مع مصر.. تفاوض أم مواجهة؟

خلفية النزاع: حلم إثيوبيا بالبحر

منذ وصول رئيس الوزراء آبي أحمد إلى سدة الحكم في إثيوبيا عام 2018، لم ينقطع الجدل حول ضرورة حصول بلاده على منفذ بحري على البحر الأحمر، وذلك لإنهاء وضعها كدولة حبيسة عقب انفصال إريتريا عنها في عام 1993.

ويرى مسؤولون إثيوبيون أن هذا المطلب يمثل أولوية استراتيجية لأمن البلاد واقتصادها، خاصة في ظل الاعتماد شبه الكامل على موانئ جيبوتي.

موقف مصري رافض للعسكرة

في المقابل، تقف مصر في طليعة الدول المعارضة للمشروع الإثيوبي بصيغته الحالية. وتعتبر القاهرة، باعتبارها دولة مطلة على البحر الأحمر، أن أديس أبابا لا يحق لها الحصول على منفذ بحري لأغراض عسكرية، لكنها لا تعترض على منحها ممراً تجارياً.

وخلال خطاب ألقاه في 29 أكتوبر 2025، أعرب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن “قلق بالغ إزاء التوترات المتصاعدة في القرن الإفريقي”، وأعلن رفضه القاطع لأي محاولات تستغل هشاشة الأوضاع الإقليمية بهدف “عسكرة البحر الأحمر وفرض وجود عسكري لدول غير مشاطئة على سواحله”.

وجاء هذا الموقف ليعززه اجتماع مصري سوداني جمع وزيري الخارجية والري في 2 نوفمبر 2025، أكد الرفض التام لأي نفاذ بحري يمس سيادة الدول المشاطئة ووحدتها وسلامة أراضيها وموانئها.

اقرأ أيضاً: الرياض تشهد وصول الرئيس المصري وإنجازات متسارعة في المنصات الوطنية

وقبل ذلك بأسابيع، صدر “إعلان العلمين” المشترك في 4 أكتوبر 2025 بين مصر وإريتريا والسودان والصومال، والذي شدد على أن “حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة”.

تصعيد إثيوبي وتحركات دبلوماسية

في 8 أكتوبر 2025، ومع انطلاق دورة انعقاد البرلمان الإثيوبي، اعتبر آبي أحمد أن حصول بلاده على منفذ بحري “ضرورة مرتبطة بمسيرتها الحضارية”، مشيراً إلى استعداد أديس أبابا للعمل بمبدأ “الأخذ والعطاء” لتحقيق هذا الهدف.

ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية عن الرئيس السابق لمجلس النواب أبادولا جيميدا قوله إنه “لا يمكن لأي جهة منع إثيوبيا من تأمين منفذ بحري”، فيما نشرت تقريراً في نهاية أكتوبر 2025 يشير إلى أن “المساعي الإثيوبية وصلت إلى مرحلة اللاعودة”.

ويأتي ذلك امتداداً لتصريحات الرئيس الإثيوبي تاي أصققي سلاسي في مارس 2025، التي اعتبر فيها الحصول على منفذ بحري دائم “حقاً تاريخياً” لبلاده.

وفي أواخر أكتوبر 2025، أعلن آبي أحمد تسلم بلاده الدفعة الأولى من صفقة مقاتلات روسية من طراز “سوخوي-35″، معتبراً إياها خطوة لتعزيز قدرة إثيوبيا على “الردع الاستراتيجي”.

اقرأ أيضاً: مصر: مقتل رئيس أركان حرس حدود وضابط في مواجهات مع منقبين غير شرعيين عن الذهب

وترافق هذا التطور مع توتر دبلوماسي حاد، إذ تبادلت إثيوبيا وإريتريا طرد دبلوماسيين مطلع أكتوبر 2025، وفي 2 نوفمبر 2025 قررت أديس أبابا إغلاق قنصلية السودان في مدينة أصوصا الحدودية، وذلك غداة اتهام الخرطوم لإثيوبيا باستهداف أراضيها بالمسيّرات دعماً لـ”قوات الدعم السريع”.

وجهات نظر متباينة حول الأزمة

يرى الباحث الإثيوبي موسى شيخو، في حديث لوكالة الأناضول، أن تمسك بلاده بالمنفذ البحري يمثل “ضرورة استراتيجية مرتبطة بأمنها الاقتصادي ومستقبل تجارتها الدولية”، بهدف تقليل اعتمادها شبه الكامل على موانئ جيبوتي. ويعتبر شيخو أن الرفض المصري “لا يلغي حق إثيوبيا في السعي نحو البحر وفق القانون الدولي عبر اتفاقات تحقق المصالح المشتركة”.

في المقابل، يوضح عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية محمد حجازي أن موقف بلاده لا يرفض حق إثيوبيا في التنمية أو التجارة أو الوصول إلى الموانئ، بل يرفض تحويله إلى “مدخل للانتقاص من سيادة الدول أو فرض وجود عسكري، وربما التحرك بالوكالة أو بتحريض من قوى إقليمية ودولية”. ويستند حجازي إلى المادة 125 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تكفل حق العبور والوصول التجاري للدول الحبيسة، لكنها “لا تمنحها حق امتلاك ميناء سيادي أو قاعدة عسكرية دون موافقة الدولة المضيفة”. ويلفت إلى أهمية “إعلان العلمين” بوصفه خطوة للانتقال من مجرد الاعتراضات الفردية إلى بناء “موقف إقليمي منظم يمنع عسكرة البحر الأحمر”.

ويتفق نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الإفريقية صلاح حليمة مع هذا الطرح، مؤكداً أن سعي إثيوبيا لامتلاك مناطق سيادية أو قواعد عسكرية “يفتقر لأي سند قانوني، ويثير شكوكاً حول نوايا استعمارية وتوجهات عدائية”. ويعتبر حليمة أن إصرار أديس أبابا على هذا الملف هو محاولة لـ”الهروب إلى الأمام من أزماتها الداخلية”.

اقرأ أيضاً: في الرياض.. ولي العهد السعودي والرئيس السوري يوقعان حزمة اتفاقيات استراتيجية تشمل الدفاع والتنمية ومشاركة سوريا في إكسبو 2030

سيناريوهات المستقبل بين التفاوض والمواجهة

وعن مستقبل الأزمة، يرى محمد حجازي أن التوافق بشأن المنفذ البحري بات أكثر تعقيداً، لارتباطه بأزمة الثقة العميقة بين القاهرة وأديس أبابا، خاصة بعد أزمة “سد النهضة التي اتسمت بالإجراءات الأحادية دون اتفاق ملزم”. ويطرح حجازي ثلاثة سيناريوهات: أولها وأكثرها واقعية والأقل تكلفة هو “التفاهم التجاري” عبر جيبوتي أو الصومال أو إريتريا. أما الثاني، فيتمثل في “استمرار الوضع الراهن” مع تنويع المنافذ الحالية. فيما يتمثل السيناريو الثالث، الذي يصفه بأنه “الأخطر”، في محاولة “فرض الأمر الواقع أو استخدام القوة والضغط العسكري”، وهو احتمال يرى أنه لا يمكن تجاهله في ظل تصاعد الخطاب الإثيوبي والتوتر مع إريتريا واستمرار التحديث العسكري.

وبشأن التسليح الروسي الجديد لإثيوبيا وتأثيره في الأزمة، يقول حجازي: “من المهم ألا نبالغ في دلالة هذه الصفقة، فامتلاك مقاتلات متطورة ومنظومات دفاع جوي لا يمنح إثيوبيا تلقائياً القدرة على فرض سيطرة بحرية أو انتزاع منفذ بحري بالقوة، كما أن منظومة S-400 دفاعية بالأساس”. ويرى أن مستقبل الملف يتوقف على ثلاثة متغيرات رئيسية، تتمثل في “قدرة آبي أحمد على تجاوز أزماته الداخلية واستعادة الاستقرار في شمال إثيوبيا، وطبيعة العلاقة الإثيوبية الإريترية وما إذا كانت ستتجه إلى التسوية أو المواجهة، ومدى قدرة الدول المطلة على البحر الأحمر على بلورة موقف إقليمي متماسك يحمي سيادتها ومصالحها”.

وفي ظل تباين التقديرات، يتوقع صلاح حليمة أن تستمر الأزمة في حالة “لا سلم ولا حرب”، مستبعداً أن تخاطر إثيوبيا بإشعال مواجهة عسكرية في القرن الإفريقي، نظراً للرفض الدولي والإقليمي المتوقع والتكلفة الباهظة التي لا يمكن لأديس أبابا تحملها.

من جهته، يرجح الباحث موسى شيخو التوصل إلى اتفاق تفاوضي يمنح بلاده منفذاً تجارياً طويل الأمد، مؤكداً أن “إثيوبيا لن تتخلى عن هدفها الاستراتيجي، لكن تحقيقه يرتبط بالدبلوماسية والاقتصاد أكثر من القوة العسكرية”. ويعتبر شيخو أن “المنفذ البحري يمكن أن يتحول من مصدر للتوتر إلى مشروع للتكامل الاقتصادي والاستقرار في القرن الإفريقي”. ويضيف: “التسلح الإثيوبي يندرج ضمن استراتيجية تحديث الدفاعات وتعزيز الردع وحماية المنشآت الحيوية، ولا يعني بالضرورة التوجه إلى فرض المنفذ البحري بالقوة”.

ويطرح شيخو أربعة سيناريوهات مستقبلية: أولها التوصل إلى اتفاق تفاوضي يمنح إثيوبيا منفذاً تجارياً طويل الأمد عبر شراكة مع دولة ساحلية. ويتمثل الثاني في توسيع استخدام الموانئ والممرات التجارية القائمة لتقليل الاعتماد على مسار واحد، والثالث في تفعيل المسار الدبلوماسي للوصول إلى ترتيبات مقبولة. أما السيناريو الرابع، فيتمثل في استمرار الجمود وبقاء الخلافات والاصطفافات الإقليمية، مما يؤخر التوصل إلى اتفاق بشأن المنفذ البحري.

المزيد في قسم عربي و عالمي

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *