هيثم صافي: "الذكاء الاصطناعي للشركات سيبني لك الفكرة الخاطئة بنفس الإتقان"

عمان – يوليو 2026 | حوار خاص
في عام 2019، كان بناء نسخة أولية من تطبيق يستهلك ثلاثة أشهر وميزانية من ستة أرقام. اليوم يمكن إنجازه في عطلة نهاية أسبوع. الخبر السار واضح. الخبر السيئ أن الخبير التقني هيثم صافي يرى في هذه السهولة نفسها أخطر فخ ينصبه العصر لرواد الأعمال.
جلسنا معه لنفهم لماذا يطالب المؤسسين بأن يتوقفوا عن البرمجة في اللحظة التي أصبحت فيها البرمجة شبه مجانية، ولماذا يرى أن الاستخدام الصحيح لأدوات الذكاء الاصطناعي للشركات يبدأ بالتحقق من الجدوى، لا بكتابة الكود.
فخ البروتوتايب: لماذا يحذر هيثم صافي من سهولة البناء؟
يبدأ صافي حديثه من مفارقة يعتبرها جوهر المرحلة: الحاجز التقني الذي طالما اشتكى منه المؤسسون كان يؤدي، دون أن ينتبه أحد، وظيفة نافعة.
ما هو فخ البروتوتايب في عصر الذكاء الاصطناعي للشركات؟
فخ البروتوتايب هو أن يرى المؤسس منتجه يعمل أمامه على الشاشة، فيستنتج أن الفكرة ناجحة. لكن وجود المنتج ليس دليلاً على وجود من يريده. الشاشة تعمل، والسوق قد يكون فارغاً تماماً. أدوات الذكاء الاصطناعي للشركات أزالت كلفة البناء التي كانت تعمل كمصفاة طبيعية تُسقط الأفكار الضعيفة قبل أن تُنفذ.
لماذا كانت كلفة البناء المرتفعة مفيدة للمؤسسين؟
يجيب صافي: “حين كان بناء المنتج يكلفك ستة أشهر ومئة ألف دولار، كنت تسأل نفسك عشر مرات: هل أنا متأكد؟ الكلفة كانت مصفاة. اليوم اختفت المصفاة، وصار كثير من المؤسسين يبنون أولاً ويسألون لاحقاً , إن سألوا أصلاً.”
هل هذا يناقض قاعدة “أطلق سريعاً وتعلّم سريعاً”؟
لا، بل يصحح فهمها. يوضح صافي أن البناء السريع كان دائماً وسيلة للتعلم لا بديلاً عنه، لكن الناس فهموا النصيحة خطأ. حين تصبح كلفة البناء صفراً، يتحول البناء من طريقة لاختبار الفكرة إلى طريقة للهروب من اختبارها.
انضباط البحث قاعدة هيثم صافي قبل كتابة أول سطر كود
البديل الذي يطرحه صافي ليس التباطؤ، بل ترتيب مختلف للخطوات. كل شركة تبدأ من مشكلة تسكن رأس المؤسس ولا تتركه — لكن ما يفعله بها بعد ذلك هو ما يفرّق بين مشروع وآخر.
ما القاعدة التي يضعها هيثم صافي لمرحلة الفكرة؟
القاعدة واحدة وصارمة: لا تكتب سطر كود واحداً حتى تجبرك الأدلة على ذلك. الهدف في مرحلة الفكرة ليس بناء شيء، بل جمع أدلة تثبت , لا تفترض , أن هناك مشكلة حقيقية تستحق أن تضيع عليها عمرك. البناء يأتي كنتيجة للأدلة، لا كبديل عنها.
ما الأسئلة الثلاثة التي يجب الإجابة عنها قبل البناء؟
يحصرها صافي في ثلاثة أسئلة، ولا رابع لها في البداية:
- هل المشكلة حقيقية ومتكررة؟ ليست إزعاجاً حصل مرة، بل ألماً يتكرر كل أسبوع.
- من يعاني منها بالضبط؟ ليس “الشركات”، بل شخص بمسمى وظيفي واضح وميزانية يتحكم بها.
- هل الحل الذي في رأسك يعالجها فعلاً؟ أم يعالج نسخة مبسطة منها اخترعتها أنت؟
ما هي ملاءمة المشكلة للحل (Problem-Solution Fit)؟
هي أن تكون إجاباتك على الأسئلة الثلاثة موثقة بأدلة لا بانطباعات. المصطلح معقد، لكن معناه بسيط: أن الوجع الذي رصدته حقيقي، وأن الدواء الذي تقترحه يناسبه فعلاً. لا أكثر ولا أقل. من دون هذه الملاءمة، كل ما تبنيه لاحقاً هو إتقان في الاتجاه الخاطئ.
انحياز التأكيد كيف يتحول الذكاء الاصطناعي للشركات إلى مرآة خطيرة؟
هنا يوجه صافي أقسى تحذيراته، لأن الخطر ,كما يقول, ليس في أن تخطئ الأداة، بل في أن تصيب في تنفيذ ما تطلبه منها بالضبط.
لماذا يقول هيثم صافي إن الذكاء الاصطناعي “سيوافقك دائماً”؟
لأن الأداة لا تملك رأياً، بل تملك مرآة. اسأل أي نموذج “لماذا فكرتي عظيمة؟” فسيعطيك عشرة أسباب مقنعة؛ واسأله في محادثة جديدة “لماذا فكرتي فاشلة؟” فسيعطيك عشرة أسباب مقنعة أيضاً. ومن يسأل مرآةً إن كان جميلاً، سيُخبَر أنه جميل.
ما هو انحياز التأكيد ولماذا يضخّمه الذكاء الاصطناعي للشركات؟
انحياز التأكيد (Confirmation Bias) ميل نفسي يجعلنا نلاحظ ما يؤيد رأينا ونتجاهل ما ينقضه، دون أن ننتبه إلى أننا نفعل ذلك. ليس كذباً، بل عمى انتقائي. وحين يقترن هذا الميل بأداة قادرة على توليد أدلة لأي فرضية في ثوانٍ، يتضاعف أثره بدل أن ينكشف.
كيف يُستخدم الذكاء الاصطناعي للشركات كـ “محامي شيطان”؟
يقترح صافي قلب اتجاه السؤال، تماماً كما كان يفعل محامي الشيطان (Devil’s Advocate), وهو منصب كنسي قديم كان صاحبه مكلّفاً بمهمة واحدة: مهاجمة المرشح للقداسة والبحث عن كل عيب فيه، لأن الاختبار الحقيقي هو أن تصمد الفكرة أمام أعتى خصومها. عملياً، اطلب من الأداة ثلاثة أشياء:
- ابحث عن أدلة تنفي فرضيتي، لا أدلة تدعمها
- حدّد أين يمكن أن ينهار هذا المشروع تحديداً
- اعرض عليّ من جرّب فكرة مشابهة وفشل، ولماذا فشل
كيف تُجرى مقابلة العميل دون البحث عن تصفيق؟
القاعدة نفسها تنطبق على البشر. لا تسأل العميل “أليست هذه فكرة رائعة؟” , سيجاملك، لأن الناس لطفاء. اسأله عن يومه، وعن آخر مرة واجه فيها المشكلة، وعمّا فعله حينها بالضبط. دع النتيجة مفتوحة، ولا تدخل المقابلة باحثاً عن تأييد.
التوسع المبكر الطابق الثالث فوق أساس غير مفحوص
يصف صافي المرحلة التي تلي فخ البروتوتايب بأنها الأكثر استنزافاً، لأن الجهد فيها يبدو منتجاً بينما هو في الحقيقة إهدار منظم.
ما هو التوسع المبكر (Premature Scaling)؟
التوسع المبكر هو أن تبدأ في توسيع مشروعك — بإضافة ميزات، أو توظيف أشخاص، أو ضخ إعلانات — قبل أن تتأكد أن الأساس الذي تبني عليه صحيح. يشبّهه صافي بمن يضيف طابقاً ثالثاً لبيت لم يفحص أساسه بعد: الطابق قد يكون جميلاً جداً، وهذا لن ينفع أحداً حين ينهار.
لماذا لا تحذّرك أدوات الذكاء الاصطناعي من الفرضية الخاطئة؟
لأنها ليست مصممة لذلك. أدوات الذكاء الاصطناعي للشركات ستكتب الكود، وتختبره، وتصلح أخطاءه، بنفس الكفاءة والحماس، سواء كانت فرضيتك عبقرية أو خاطئة تماماً. لن تتوقف الآلة لتقول لك: “انتظر، هل أنت متأكد أن أحداً يريد هذا؟”
من يتحمل مسؤولية “فهم المعنى” إذن؟
المؤسس وحده. الآلة تنفّذ، أما فهم المعنى (Sense-making) — أي أن تقرأ الواقع وتحكم على ما إذا كان هذا الطريق يستحق أصلاً — فمسؤولية لا تُفوَّض ولا ينوب فيها أحد عن أحد. وكلما ازدادت قدرة الأدوات على التنفيذ، ازداد ثقل هذه المسؤولية على كاهل صاحب القرار.
من الشكوى إلى الفرضية: منهجية هيثم صافي للتحقق
الخروج من مرحلة الفكرة، بحسب صافي، لا يحدث بقرار ولا بحماس، بل بتحويل الكلام العام إلى شيء يمكن قياسه.
كيف تحوّل ملاحظة عامة إلى فرضية قابلة للاختبار؟
بأن تستبدل الجملة الفضفاضة بجملة تحتوي على فاعل محدد ورقم وسبب. الفرق جوهري وليس لغوياً:
| ملاحظة عامة (لا تصلح) | فرضية قابلة للاختبار (تصلح) |
|---|---|
| “الناس يعانون من تقارير المصاريف.” | “مديرو المالية في الشركات متوسطة الحجم يقضون 4 ساعات أسبوعياً في مطابقة تقارير المصاريف، لأن أدواتهم لا تتكامل مع برامج المحاسبة.” |
| لا يمكن إثباتها ولا نفيها | تعرف بمن تتصل، وماذا تسأل، وما الرقم الذي يحسم الأمر |
يعلّق صافي: “إن قال لك عشرة مديرين ماليين إنهم يقضون عشرين دقيقة لا أربع ساعات، فقد وفّرت على نفسك سنة من عمرك.“
أين يفيد الذكاء الاصطناعي للشركات في مرحلة البحث؟
هنا بالضبط يكون في أفضل حالاته. الاستخدام الأمثل لـالذكاء الاصطناعي للشركات في هذه المرحلة هو أتمتة العمليات التشغيلية للبحث: تحديد الشريحة التي يجب أن تتحدث إليها، تصميم أطر المقابلات وأسئلتها، ثم تحليل النتائج واستخراج الأنماط المتكررة منها. استخدام يخدم التفكير بدل أن يستبدله.
متى يصبح الانتقال إلى النموذج الأولي (MVP) قراراً عقلانياً؟
حين تخرج من مرحلة البحث بأدلة كافية، لا بمنتج مكتمل. الهدف أن يكون قرارك بالانتقال إلى النموذج الأولي القابل للاستخدام (MVP) , أي أبسط نسخة عاملة يمكن أن يجربها عميل حقيقي , قراراً مبنياً على العقل لا قفزة إيمان.
ويختم هيثم صافي بجملة يقول إنه يكررها على كل مؤسس يجلس أمامه: “الشركات لا تموت لأن مؤسسيها لم يستطيعوا البناء. تموت لأنهم بنوا الشيء الخطأ، بإتقان.”
للتواصل مع هيثم صافي :
[email protected]
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



