الرئيسيةالرياضةارتفاع الرواتب في كرة القدم السعودية...
الرياضة

ارتفاع الرواتب في كرة القدم السعودية يضعف الدافع الداخلي لللاعبين

30/06/2026 07:00

في عالم الاقتصاد يُعَدّ السعر العادل هو ما يُظهر القيمة الحقيقية للسلعة بناءً على إنتاجيتها وندرتها. أما في ميدان كرة القدم بالمملكة فالسعر الممنوح للاعب المحلي لا يعكس قدراته ولا يتماشى مع قيمته الفعلية في أسواق اللاعبين الإقليمية والعالمية.

تضخم الرواتب وانفصالها عن القيمة السوقية

تتضح المشوهات عندما يُمنح اللاعب المحلي أجرًا يفوق قيمته الحقيقية بأضعاف، إذ لا يُعزى ذلك إلى قدرته على اللعب تحت الضغط أو لياقته البدنية أو استمراريته، بل يندفع به طلب الأندية المتزايد، وضغط الجماهير، وتدخل الإعلام، إلى جانب نقص الخيارات المحلية. من الممكن تخيل أن أغلب اللاعبين الذين يحملون عقودًا بمقابل فاحش لا يتجاوز قيمتهم السوقية الفعلية عشرة بالمائة من ما يتقاضونه.

هذا الفارق بين الراتب الفعلي والقيمة الحقيقية يخلق تضخمًا محليًا يغذيه استثمار صندوق الاستثمارات العامة في الأندية الكبرى، وليس معايير تقييم رياضية صحيحة.

نموذج الفقاعة المشابهة للصين

تشبه الحالة الحالية ما حدث في الدوري الصيني عندما أدى الإنفاق الضخم إلى استنزاف الموارد دون إحداث تحسن ملحوظ في مستوى المنتخب الوطني. فالعقود الضخمة لا تترجم بالضرورة إلى إنتاج فني مرتفع، وقد يدخل بعض اللاعبين بعد توقيع عقود طويلة الأمد في حالة من الراحة النفسية والركود، ما ينعكس سلبًا على التزامهم بالتمرينات اليومية، التغذية السليمة، والنوم الكافي.

هنا يظهر الفارق بين محترف يتقاضى راتبًا كبيرًا ومحترف يلتزم بنمط حياة رياضي عالمي يتضمن نومًا محسوبًا، تغذية دقيقة، قياسات بدنية دقيقة، وعملًا ذهنيًا مستمرًا على تحسين المهارات ومراجعة الأداء.

الدافع الداخلي مقابل الدافع الخارجي

من منظور علم النفس الرياضي، يُميّز بين الدافع المستمد من داخل اللاعب (الدافع الداخلي) وتلك المحفزات التي تأتي من الخارج مثل المال والأمان المالي (الدافع الخارجي). نظرية تقرير المصير التي طرحها دي سي وريان تُبرز أن الدافعية المستدامة تنبع من إشباع ثلاث حاجات أساسية: الاستقلالية، الكفاءة، والانتماء.

عندما يحصل اللاعب على عقود هائلة، يتحول الدافع إلى خارجي، ما يقلل من الشعور بالاستقلالية والكفاءة الحقيقية، فيؤدي إلى تراجع الجهد التدريبي والالتزام على المدى الطويل، ويتولد نوع من الرضا الزائف الذي يُضعف الحماس للتدريب ويؤدي إلى إهمال اللياقة والتطوير الفني.

متلازمة سنة العقد وتأثيرها

تشير الدراسات إلى ما يُعرف بـ«متلازمة سنة العقد»، حيث يحقق اللاعب أفضل أداء في السنة الأخيرة من عقده نتيجة للضغط للحصول على تجديد، ثم يتراجع بشكل ملحوظ في السنة التالية بعد توقيع العقد الجديد، لأن المكافأة الكبيرة تُقوّض الدافع الداخلي وتُزيل التهديد المالي.

المال كحافز خارجي يبقى فعالًا فقط إذا ارتبط بمعايير أداء واضحة ومنافسة حقيقية ومحاسبة مستمرة؛ وإلا يتحول إلى عامل يضعف الدافع الداخلي ويقود إلى تقليل الجهد والرغبة في التطور.

العقود الطويلة وإفلات السوق عن الرقابة

من الناحية الفنية لا يمكن طلب أداء عالمي من لاعب يعمل في بيئة لا تعاقب التراجع. ففي الدوريات الكبرى لا تحمي العقود الضخمة اللاعبين من الإقصاء أو النقد أو البيع أو خسارة مقاعدهم أمام مواهب أصغر سناً. بينما في السعودية يتحول العقد الطويل أحيانًا إلى حصانة تجعل النادي أسيرًا للاعب لا يستطيع بيعه بسهولة، ولا يُجبر على تحسين مستواه.

الحل لا يكمن في انتقاد اللاعب فحسب، بل يتطلب معالجة المنظومة بأكملها. عندما ترفع الأندية الأسعار دون ضوابط، ولا تُعيد تقييم اللاعبين إلى قيمتهم الفعلية، وتكافئ المحليين قبل إكمال مسيرتهم، وتغيب مؤشرات أداء صارمة، ينتج سوقًا يقدم لاعبين باهظ الثمن وعائد ضعيف.

اقتراحات لتقنين الرواتب وعقود اللاعبين

من الضروري وضع حدود مالية ذكية لعقود الانتقالات والرواتب، وربط جزء كبير من الأجر بمعايير واضحة مثل اللياقة البدنية (نسبة الدهون، كتلة العضلات)، عدد الدقائق الملعوبة، الانضباط، والتطور الفني. الرواتب الثابتة يجب أن تكون معقولة، بينما تُصرف الملايين لمن يثبت أنه يصنع الفارق.

ينبغي أيضًا منع العقود الطويلة غير المبررة للاعبين الذين لم يبلغوا مستوى النخبة، وإدراج بنود مراجعة سنوية تسمح للنادي بإنهاء العقد دون جزاءات إذا لم تُستوفَ مؤشرات الأداء المحددة. كما يجب تعزيز المنافسة بتقليل عدد اللاعبين الأجانب وإعطاء فرص أكبر للمواهب الشابة، وتوسيع برامج الابتعاث الكروي، وإلزام اللاعبين الصغار بالمشاركة في مباريات تنافسية.

انعكاسات الفوضى على المنتخب الوطني

المنتخب هو المرآة النهائية لهذه التشوهات. إذا استمر الدوري في دفع مبالغ طائلة للاعب لا يمتلك مؤهلات دولية، سيُجبر المنتخب لاحقًا على دفع الثمن من خلال ضعف النتائج. لا يمكن بناء منتخب عالمي من سوق يَكافئ اللاعب كأنه عالمي قبل أن يثبت ذلك.

إن تحديد سقف للرواتب والانتقالات لا يُعدّ عدًا للاعب السعودي، بل هو حماية له وللجميع من الوهم. المال إذا ساد على النضج يقتل الجوع الرياضي، وإذا انفصل عن الأداء يُنتج جيلًا مكتفيًا ولا يُظهر طموحًا للارتقاء.

الكرة السعودية تحتاج إلى إصلاح جذري شامل؛ فبدلاً من الإنفاق الضخم على عقود لا تُثمر، يجب توجيه الموارد نحو عقود عادلة، وتطوير اللاعبين وفق معايير واضحة، حتى يصبح السعر متناسبًا مع القيمة، والعقود نتيجة للأداء لا مقدمة له. حين يتحقق ذلك، سيظهر لاعب سعودي لا يقتصر هدفه على الثراء، بل يسعى إلى أن يكون عالميًا.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *