السكن الملائم في اليوم العالمي للمدن 2026: تجارب سعودية بين التطوير والهوية

السكن الملائم في اليوم العالمي للمدن 2026: تجارب سعودية بين التطوير والهوية

مع تسارع وتيرة مشاريع التطوير العمراني في المدن السعودية، يبرز اليوم العالمي للمدن، الذي يحل في 31 أكتوبر من كل عام، بتساؤلات تتجاوز البناء والتجميل: ما معنى السكن الملائم، لا سيما عندما تخضع أحياء مأهولة لعملية تجديد شامل؟ وهل يقتصر نجاح التطوير على تحديث المباني والشوارع، أم يرتبط بقدرة السكان على الاستفادة منه والاستمرار في حياتهم المستقرة؟

يحتفل العالم باليوم العالمي للمدن لعام 2026 تحت شعار “تجديد المدن: السكن الملائم للجميع”، الذي اختارته الأمم المتحدة للتركيز على إعادة تأهيل الأحياء القائمة، وتحسين البنية التحتية والخدمات، وتوفير مساكن آمنة وميسورة التكلفة بما يراعي احتياجات السكان الأصليين. تستضيف مدينة فوتشو الصينية الاحتفال العالمي هذا العام، مع تقديرات أممية تشير إلى أن نحو 3.4 مليار شخص حول العالم يفتقرون إلى واحد أو أكثر من متطلبات السكن الملائم.

معايير السكن الملائم

وفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية “موئل الأمم المتحدة”، فإن السكن الملائم لا يقتصر على الجدران والسقف، بل يشمل سبعة معايير أساسية: الأمان والاستقرار السكني، توافر المياه والصرف الصحي والكهرباء، القدرة على تحمل التكلفة، سلامة المبنى، سهولة الوصول إلى الخدمات، الموقع المناسب القريب من فرص العمل والتعليم، واحترام الهوية الثقافية والاجتماعية للسكان.

السعودية: التحديات والإنجازات

في السعودية، يرتبط هذا المفهوم بمستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تهدف إلى رفع نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن إلى 70% بحلول عام 2030. كشف التقرير السنوي للرؤية لعام 2025 أن نسبة التملك وصلت إلى 66.24%، متجاوزة المستهدف المحدد لذلك العام عند 65%. غير أن التقرير أشار أيضًا إلى ارتفاع أسعار العقارات في بعض المناطق، خصوصًا الرياض، مما يبرز أهمية تحقيق التوازن بين زيادة المعروض السكني وضمان القدرة المالية للأسر على الحصول على مسكن مناسب.

تقدم جدة أحد أبرز الأمثلة السعودية على العلاقة بين إعادة تطوير الأحياء وتوفير السكن البديل. أعلنت إمارة منطقة مكة المكرمة في يناير 2026 أن عدد الأسر المستفيدة من التسكين ضمن مشروع معالجة الأحياء العشوائية بلغ 9206 أسر. يعكس هذا الرقم حجم الجهود، لكن تقييم ملاءمة السكن الجديد يظل مرتبطًا بمعايير أوسع، تشمل استقرار الأسر وقرب المساكن من المدارس والمستشفيات وفرص العمل، فضلًا عن توافر المرافق والخدمات الأساسية.

تطوير الأحياء القائمة والهوية الثقافية

لا يقتصر تجديد الأحياء على إزالة المباني القديمة أو إنشاء مجمعات جديدة، بل يمتد إلى تطوير البيئة العمرانية القائمة. في مدينة حائل، أعلنت الأمانة خلال أبريل 2026 اكتمال تطوير شارعي المتنبي وأبي حنيفة بحي المطار، عبر تحسين الأرصفة وتهيئة مسارات المشاة ورفع كفاءة الطرق وتوفير مواقف للسيارات، مما يسهم في تسهيل الحركة وتحسين السلامة المرورية. كما شهدت حائل مشروعات لزيادة المساحات الخضراء، شملت تدشين 46 حديقة داخل الأحياء السكنية بمساحة إجمالية تجاوزت 354 ألف متر مربع، وإنشاء 62 منطقة لألعاب الأطفال. توضح هذه المشروعات كيف ينعكس التطوير الحضري على تفاصيل الحياة اليومية، من توفير أماكن آمنة للترفيه إلى تعزيز المشي والتواصل الاجتماعي.

في جدة التاريخية، يأخذ مفهوم التجديد الحضري بُعدًا مختلفًا يرتبط بالحفاظ على الهوية المعمارية والثقافية. أعلنت وزارة الثقافة ترميم 27 مبنى تاريخيًا وتأهيل 10 مبانٍ إضافية ودعم إنقاذ 39 مبنى خلال عام 2024، ضمن مشروع إعادة إحياء المنطقة التاريخية. تبرز هذه التجربة أهمية الجمع بين تحديث البنية العمرانية والحفاظ على الملامح الثقافية للأحياء القديمة، باعتبارها جزءًا من ذاكرة المدينة وهويتها.

تتسع جهود التطوير لتشمل مدنًا سعودية أخرى، بينها أبها التي تشهد مشروعات لتحسين البنية التحتية وتأهيل الحدائق والمرافق العامة وتوسيع مسارات المشاة والدراجات. أبرزت وكالة الأنباء السعودية في تقرير نشرته اليوم السبت بمناسبة اليوم العالمي للمدن أهمية ربط هذه التحولات بالحفاظ على البيئة الطبيعية والطابع العمراني المحلي، وتعزيز وصول السكان إلى المرافق والخدمات.

لكن التحدي الأهم في تجديد الأحياء القائمة هو ضمان استفادة السكان من نتائج التطوير، خصوصًا الأسر محدودة الدخل وكبار السن وذوي الإعاقة. قد يؤدي ارتفاع قيمة العقارات بعد تحسين الأحياء إلى زيادة الأعباء السكنية، مما يجعل توفير البدائل المناسبة، ومراعاة التعويضات عند الحاجة إلى الانتقال، وإشراك السكان في قرارات التطوير عناصر أساسية لتحقيق تنمية حضرية شاملة. في اليوم العالمي للمدن، تعكس التجارب السعودية مسارات متعددة لتطوير البيئة السكنية، تبدأ من زيادة فرص التملك والتسكين، وتمر بتحسين الأحياء القائمة والخدمات العامة، وصولًا إلى الحفاظ على التراث العمراني وتعزيز جودة الحياة.

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *