وداع الشيخ هيف بن عبود… رجلٌ جسّد قيم الوطن والإنسانية

حياة العطاء والوفاء
بعض الرجال يرحلون فيغلق برحيلهم فصلاً من الحياة، وبعضهم يرحلون فتبدأ سيرتهم فصلاً جديداً في ذاكرة الناس. الأجساد توارى في التراب، أما القيم التي عاشوا لها والخير الذي صنعوا فيبقى شاهداً عليهم. لا يخلد الإنسان ما يملك ولا ما يشغله من منصب ولا ما يُقال عنه، بل يخلده سعيه الصادق لأهله ووطنه وما يغرسه من شيم في أبنائه. وهذا هو ما يختصره قول الله تعالى: «وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى».
الإنسان لا يعيش بعدد الأيام التي قضى بل بعدد القلوب التي لامسها والنفوس التي ارتقى بها. فمن الناس من يرحل فتُطوى صفحته، ومنهم من يرحل فتبدأ رسالته. وكان الشيخ هيف بن عبود، رحمه الله، من أولئك الذين كلما ذُكرت أسماؤهم حضرت معاني الصدق، والتسامح، والانتماء، والرجولة.
قيم ورؤية لوطن
عرفته عن قرب فوجدت فيه من الصفات ما يجعل الإنسان يطمئن إليه قبل أن يعرفه. كان إذا نصح أخلص، وإذا وعد وفّى، وإذا خدم وطنه فعل ذلك بإيمان عميق يرى أن خدمة المملكة ليست طريقاً إلى المجد الشخصي بل عهداً مع الله والوطن يرجو أن يلقى الله وقد وفى به. ورأيت أن العلاقات الإنسانية العميقة لا تقوم على كثرة اللقاءات ولا على تبادل المصالح بل على بناء طويل من الثقة تُبنى بالصراءة، تُحفظ بالوفاء، وتترسخ بالمواقف.
ومن ما تعلمته منه أن أسمى العلاقات هي تلك التي يستطيع فيها كل طرف أن يقول للآخر الحقيقة كما هي، لا كما يحب أن يسمعها. الأخ الذي يحجب النصيحة خوفاً من فقدان الود قد حفظ العلاقة ظاهراً لكنه أضاع معناها، بينما الأخ الأمين يؤثر المصلحة على الرضا العابر ويختار الصدق وإن كان ثقيلاً لأنه يريد لك الخير أكثر مما يريد رضاك. آمن بقصة صعود عسير لأن الإيمان عنده كان فعلاً قبل أن يكون قولاً، وكان يؤمن بأن الأفكار العظيمة تمر بثلاث مراحل: الشك، ثم المقاومة، ثم القبول، حتى تصبح بديهيات لا يتخيل الناس أنهم عاشوا من دونها. وكان من الذين يثبتون في زمن الشك، ويواصلون العمل في زمن المقاومة، راضياً أن يحصد غيره ثمار مرحلة القبول.
ما قيمة مدينة ترتفع أبراجها إذا لم ترتفع معها أخلاق أهلها؟ وما معنى التنمية إن لم تُنمِّ الإنسان قبل المكان؟ وكان هذا المعنى يتردد في حواراتي معه؛ إذ رأى أن صعود عسير ليس رحلة نحو الأعلى بل رحلة نحو الأفضل: نحو إنسان أسمى، وقيم أرسخ، ومجتمع أكثر تماسكًا. believed أن الإنسان في وطنه مستخلف لا مالك، وأن قيمة العمر لا تُقاس بما نأخذه من وطننا بل بما نتركه له.
إرث يبقى
لذلك لم ينظر إلى صعود عسير بوصفه مشروعاً حكومياً فحسب بل عهداً أخلاقياً بين جيل تسلّم الأمانة وجيل يجب أن يسلّمها لمن بعده أكثر قوةً وأكثر وعياً وأكثر قدرةً على صناعة المستقبل. وكان يردد: «إن الأوطان لا تنهض بما يُبنى فوق أرضها وحدها وإنما بما يُبنى في نفوس رجالها». قبل أيام من رحيله زرته في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض. هناك، عند الحد الفاصل بين الدنيا والآخرة، رأيت مشهداً لا يُنسى: أبناء يحيطون بوالدهم بمحبة صامتة وابنة طبيبة أوقفت عملها لتتفرغ لخدمته. حينئذ أدركت أن الإنسان يُقاس بما ربى. الأبناء ليسوا أعظم ما يتركه الإنسان فحسب بل هم رسالته التي تمشي على الأرض.
سيبقى الشيخ هيف بن عبود حاضراً في كل أثر أسهم في صنعه؛ من دعمه لأوقاف الجامعة، ومساندته لأندية المنطقة الرياضية، ووقفته مع المنطقة خلال جائحة كورونا، إلى دعمه المستمر لمبادرات الإسكان الكريم للأسر الأكثر احتياجاً. وكان فوق ذلك سنداً لكل فكرة صادقة تصنع مستقبل عسير؛ لا ينتظر دعوةً إلى الخير إلا استجاب. وكانت تلك سجية العربي الأصيل؛ يهب قبل أن يُستحث، ويؤازر قبل أن يُطلب، ويجعل نفسه في خدمة قومه ووطنه. وكان يؤمن أن خير الرجال من كان أول الحاضرين عند الحاجة وآخر المنصرفين بعد أداء الواجب.
فالمروءة ليست وصفاً يُقال بل حضوراً لا يتأخر حين ينادي الوطن. غير أن الوفاء له لا يكون بتعداد أعماله فحسب بل بحفظ جميله وصيانة ذكره. فالوفاء من أجلّ خصال العرب وهو العهد الذي لا ينقضه الرحيل ولا يطويه الزمن. وأعظم الوفاء للرجال الأوفياء بعد رحيلهم ألا نسمح للوفاء أن يرحل معهم؛ فبقاء الوفاء هو أعظم الوفاء. وفي فجر يوم الجمعة بلغني نبأ وفاته. وبعض الرجال حين يرحلون لا يصلنا خبر موتهم فحسب بل ينطفئ برحيلهم شيء من جمال الحياة. رحل بعد أن خلد أثراً راسخاً متجدداً في وطنه وفي الناس وفي كل خير أسهم فيه. نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، ويكرمه بجنات النعيم، ويجعله ممن قال فيهم: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا».
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



