الرئيسيةمحلياتذكرياتٍ تُحيي الذاكرة في غياب الأب
محليات

ذكرياتٍ تُحيي الذاكرة في غياب الأب

25/05/2026 05:03

تخيلت حينها أن النهاية قد حانت وأن ذلك هو ما يختص به القدر، فكنت أؤمن بأن انطلاق الروح في ملكوت الله يحررها من قيود الجسد البريء، إذ تتابعت الأيام بلا حراك، ثم استحضرت الذاكرة طيوف أبي من وراء سحب النسيان، لتظهر صورةً رائعةً رافقتني منذ فجر حياتي.

وقد مضت أربعون يومًا، ما غبتُها عن أبي من قبل ولا غابها عني، وتدعت الذكريات، ونما الأسف، والشعور بفقد صاحب الهمة العالية، والصوت الحاني، والشيمة الرفيعة، والحكمة البالغة، والبصيرة النافذة، والتدين السمح، الصبور في مواطن البلاء، الحليم في مواقف الغضب.

الضيافة والكرم الأبوي

كان أبي يحكمنا برفق منذ الصغر، وعشنا في ظلّته نملك الاختيار في كل شؤون حياتنا، حتى اختيار أن نغدو إلى المدرسة أو نغيب؛ فلا يزيد على تعداد ثمرات المثابرة، ومغبات الغياب. كان يحنو علينا كما لو أننا لم نكبر، ويهتم بالسفر معي لمحاضرة أو لقاء أدبي، لكن يثنيه ذلك خوفًا من أن يَشُق لي برفقته أو أن أتكلف تذكرة سفره.

أبي يتنازل عن بعض حقوقه لاسترضاء أقاربه، ويتجاوز الخلاف، ثم يرضينا قائلاً: «ما تركت لله، سيبدلني الله خيرًا منه»، ويكرر كلمته التي حفظناها: «إن الله يُصنع فيّ»، أي أن الله يدبر الأمور لتكون خيرًا لي دون تدبير مني.

المنزل كمنبر للخير

كان بيت أبي مفتوحًا للضيوف في حضوره وغيابه، يفتح له اليسر لكل طارقٍ، أو غريبٍ، أو عابر سبيل، حيث يجهد أن يشاركنا بشيءٍ في بيتٍ مستنير بنوره، متسع بسماحته، وما كان هناك سوى دخل قليل لكنه مبارك.

لا كان يؤسف فقد شيء من متاع الدنيا، ولا قيمة للمال عنده إلا بقدر ما يحقق من المكارم، ويقضي من الحوائج، ويسبغ من الستر؛ وكانت مقولته دائمًا: «خير المال ما سدّ الفجَر»، أي ما أُديت به الواجبات أو قضى شيئًا من حوائج صاحبه، وليس ما ادّخره.

الجهود الخيرية والخدمية

سعى لفتح الطريق إلى قريته والقرى المجاورة، رغم معارضة بعض الأهالي، وضحى في سبيل ذلك بالجهد والمال، وسعى في إيصال الكهرباء، والسقيا إلى قريته، وسعى لتجديد بناء مسجدها وتوسيعه على طراز حديث، وضحى بإحدى مزارعه لإقامة برج للاتصالات دون مقابل، وما كنت لأحصي أياداه ومبادراته في خدمة الناس، حتى إن بعضهم يظنون أنه يجني من وراء ذلك مصالح خاصة، وما ألومهم فقد شق عليهم أن يكون هذا العطاء الكثير بلا ثمنٍ.

علّم القرآن في ثلاث معالمات، وفتح المدرسة الحكومية، وأودع أبناءه لدى أصدقائه في بلدات بعيدة للالتحاق بالمدارس، وسعى في سبيل افتتاح مدارس للبنات، وبذل جهدًا لإقناع الأهالي بضرورة تعليم بناتهم، ثم رافق أخواتي إلى حيث يتوافر معهد للمعلمات، وعانى مشقات التنقل والمواصلات حتى تخرجن، وأصبحن أول ثلاث معلمات سعوديات في مدرستهن الأولى.

الرحلة العلاجية والدعم العائلي

غادر بيته وقريته، وكلّف من يقيم مسجده ليرافق أمي في رحلة علاجها، التي استمرت ثمانية أشهر؛ من مدينة إلى مدينة، ومن مَشفى إلى مَشفى، حتّى لحقها بجوار ربها، وكان يعتذر إلينا، فيقول: «أعلم أن مرافقتي لكم في الأسفار تزيد الأعباء عليكم، ولكنني أجدُ في مرافقتها تسليةً لها، وطمأنينة لي».

تخلى عن بيته وقريته التي قضى فيها عمره المديد ليسكن في المدينة قريبًا من بنيته وبناتها، وقال لمن عاتبه على ذلك من جماعته: «أكره أن أشق عليهم، أو أجُرَّ عليهم العقوق»، ثم عانى المرض سنوات طويلة صابرًا حامدًا مُعينًا لنا على بره، وربما شقّ على نفسه حتى لا يَشُق علينا، وربما أخفى ألمه حتى لا يؤلمنا، وقد بلغ من رفقه بنا أنا قال لي مرة: «لقد استبطأت الموت ولكني أكره أن تجزَعوا».

خاتمة الذاكرة والرحمة

أطياف تجليها الغياب، وتستدعيها الذاكرة، فيحاصرني الفقد، وتزدحم الذاكرة بجميل الصور، وكريم الشعيم، وناصع المواقف. وعزاؤنا رحمة الله لمن كان بنا رحيمًا، وإحسان الله لمن كان في شأنه كله مُحسنًا، وكَرَم الله لمن كان في دنياه كريمًا، ولطف الله بمن كان لطيفًا بالأيتام والغرباء والمساكين، عطوفًا عليهم.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *