الرئيسيةمحلياتدور رئيس الجامعة يتجاوز تسويق الكفاءات...
محليات

دور رئيس الجامعة يتجاوز تسويق الكفاءات إلى صناعة الفرص

20/09/2026 09:00

في لقاء إعلامي، نقل رئيس جامعة الملك عبدالعزيز، الدكتور طريف الأعمى، عن وزير التعليم قوله إن دور رئيس الجامعة ينبغي أن يكون “مديرًا تنفيذيًا للتسويق”. وأوضح أن المقصود هو تسويق كفاءات الجامعة خارجها، وربطها بما يوفره الخارج من فرص، وبناء جسور التواصل بين الطرفين.

مفهوم التسويق الاستراتيجي في الجامعات

تلتقط هذه العبارة تحولًا مهمًا في بيئة الجامعات، لكنها تطرح سؤالًا أعمق: هل يقف دور الرئيس عند تسويق القدرات القائمة، أم يمتد إلى بناء قدرات تخلق فرصًا جديدة؟ التسويق المقصود هنا أوسع من مجرد الترويج وتحسين الصورة؛ فالتسويق الاستراتيجي يقرأ احتياجات المجتمع والاقتصاد وسوق العمل، ويحدد القيمة التي تستطيع الجامعة تقديمها، ويسهم في تطوير البرامج، وتوجيه البحوث التطبيقية، وبناء الشراكات. من هذا المنظور، يدخل التسويق في صياغة الاستراتيجية، ولا ينحصر في الاتصال والعلاقات العامة.

الاستقلالية والشراكات القيادية

يفتح نظام الجامعات مساحة أوسع لهذا الدور؛ إذ يتيح تنمية الموارد الذاتية، ويوسع فرص الاستثمار والشراكة، ويمهد للتدرج نحو الاستقلالية. يتطلب هذا التحول حضورًا مباشرًا للرئيس في بناء العلاقات مع الجهات الحكومية والشركات والمستثمرين والمانحين. فالشراكات الكبرى تحتاج إلى رعاية قيادية تضمن الالتزام المؤسسي، وتربطها بأولويات الجامعة، وتحشد الموارد والكفاءات لتنفيذها.

غير أن الجامعة التي تكتفي بقراءة السوق والاستجابة له تظل في موقع المتلقي. فالجامعة المعاصرة تسهم أيضًا في خلق الطلب وفتح أسواق جديدة. قد يقود بحث أصيل إلى تقنية مبتكرة، ثم إلى شركة ناشئة، فإلى قطاع اقتصادي ومهن لم تكن موجودة. كما قد ينتج عن تكامل التخصصات حلول تغيّر أنماط العمل والإنتاج. لذلك لا يمثل السوق واقعًا ثابتًا خارج الجامعة؛ فالمعرفة قادرة على إعادة تشكيله.

صناعة الفرص وبيئة الابتكار

لهذا، يتجاوز دور الرئيس نقل احتياجات الخارج إلى صياغة أولويات علمية استباقية. يبدأ ذلك بتحديد المجالات التي تملك الجامعة فرصة التميز فيها، وتوجيه الموارد نحوها، وجمع التخصصات حول تحديات كبرى، ويكتمل بإنشاء مسارات تحوّل الأفكار إلى تطبيقات ومشروعات، وبناء تحالفات تنقل المعرفة إلى المجتمع والاقتصاد.

تتطلب صناعة هذه الفرص بيئة تنظيمية ومالية تمنح الجامعة مرونة في اتخاذ القرار وإعادة توجيه الموارد، كما تتطلب حوكمة تسمح بتمويل البحوث التي تنطوي على مخاطر وعوائد محتملة، وتتقبل الإخفاق المحسوب ضمن ضوابط المساءلة. تظل مطالبة الرئيس بقيادة الابتكار محدودة الأثر ما لم تقترن بصلاحيات وأدوات كافية.

التوازن بين السوق والرسالة الأكاديمية

في الوقت نفسه، لا تصبح مؤشرات السوق المرجع الوحيد للقرار الجامعي. فالجامعة، وفق نظام الجامعات، مؤسسة أكاديمية عامة لا تهدف إلى الربح. إلى جانب احتياجات سوق العمل، توجد أولويات وطنية بعيدة المدى، ومعايير علمية، وتخصصات أساسية، واحتياجات مجتمعية لا تمثلها فرصة استثمارية مباشرة. قد يتطلب المستقبل استثمارًا في معرفة لا يطلبها السوق اليوم. فالبرنامج الأكاديمي التزام علمي ومجتمعي طويل الأمد، لا استجابة سريعة لاتجاه رائج.

تفرض هذه المعادلة على الرئيس الجمع بين المبادرة والانضباط. فهو يقود الشراكات الكبرى ويفتح مساراتها، بينما تتولى وحدات احترافية تحليل الفرص، ونقل التقنية، وتنمية الموارد، ودعم الشركات الناشئة، وقياس النتائج. يحوّل هذا التكامل المبادرات الفردية إلى قدرة مؤسسية تستمر بعد تغير القيادات.

وتقدم الشراكة بين جامعة الملك عبدالعزيز والهيئة العامة للنقل مثالًا على انتقال الاتفاقية إلى أثر أكاديمي؛ فقد بدأت بمذكرة تفاهم وأثمرت إطلاق برنامجين للبكالوريوس في النقل السككي. أما الاتفاقيات الأخرى، فينبغي تقويم كل منها بحسب غايتها وما تفضي إليه من برامج نوعية، أو بحوث ممولة، أو تقنيات مطبقة، أو شركات ناشئة، أو فرص عمل. فنجاح الرئيس بوصفه “مديرًا تنفيذيًا للتسويق” لا يقاس بعدد الاتفاقيات، بل بما يتحقق منها من قيمة قابلة للقياس.

دور رئيس الجامعة، إذًا، أوسع من الاستجابة للسوق وأعمق من تسويق الكفاءات. فهو يقود مؤسسة تنتج المعرفة، وتستشرف التحولات، وتشارك في صنع الفرص التي سيحتاج إليها المجتمع مستقبلًا. يساعد التسويق الاستراتيجي على قراءة البيئة وتحديد الموقع التنافسي، لكنه لا يرسم وحده اتجاه الجامعة. رئيس الجامعة يقود بناء القيمة إلى جانب تسويقها، ويمد الجسور إلى الفرص القائمة بينما يهيئ جامعته لابتكار فرص وأسواق ومهن جديدة. هنا تتجاوز القيادة إدارة العلاقة مع المستقبل إلى المشاركة في صناعته.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *