الزراعة الذكية في السعودية: تحويل الصحراء إلى مزارع توفر المياه وتزيد الإنتاج

التقنيات الموفرة للمياه في الزراعة السعودية
تواجه الزراعة في المملكة صعوبات ناتجة عن المناخ الجاف ومحدودية الموارد المائية، ما دفع السلطات إلى البحث عن حلول إنتاجية تحقق التوازن بين زيادة المحاصيل والحفاظ على المياه. وبات التوجه واضحاً نحو البيوت المحمية والزراعة المائية والعمودية، إلى جانب أنظمة رقمية تراقب درجات الحرارة والرطوبة والتسميد وتحدد كميات المياه التي تحتاجها النباتات بدقة. وتؤكد وزارة البيئة والمياه والزراعة أن بعض تقنيات الزراعة المائية تستطيع توفير ما يصل إلى تسعين بالمائة من المياه مقارنة بالأساليب التقليدية، مع ملاحظة أن هذه النسبة تختلف باختلاف نوع المحصول والتقنية المستخدمة وظروف التشغيل.
نتائج المزارع الذكية والتجارب الميدانية
أعلن المركز الوطني لأبحاث وتطوير الزراعة المستدامة «استدامة» عن نتائج تجارب البيوت الزجاجية عالية التقنية التي سجلت إنتاجاً للطماطم بلغ نحو تسعة وتسعين كيلوجراماً لكل متر مربع، مع استهلاك لا يتجاوز ثلاثة لترات من المياه لإنتاج الكيلوجرام الواحد. وتظل هذه النتائج خاصة بالتجارب المحددة ولا تمثل متوسطاً لجميع المزارع السعودية. كما دخلت الأنظمة التقنية مرحلة جمع معلومات مستمرة عن حالة المحاصيل عبر حساسات تقيس رطوبة التربة والظروف المناخية وجودة المياه، ثم تستعين بالذكاء الاصطناعي لتحديد احتياجات النباتات وتقليل الهدر. ومن الأمثلة العملية مشروع المزرعة الذكية التجريبية بالرياض الذي تنفذه المملكة بالتعاون مع كوريا الجنوبية على مساحة أربعة آلاف متر مربع، ويضم تقنيات للزراعة العمودية والبيوت المحمية والروبوتات الزراعية.
التوجه نحو الاكتفاء الذاتي وإنتاج على مدار السنة
امتد التحول الزراعي إلى استثمارات تجارية تهدف إلى توفير الخضروات طوال العام، حتى خلال أشهر الصيف التي ترتفع فيها درجات الحرارة. وشيرت وزارة البيئة والمياه والزراعة إلى شركة «دافا الزراعية» التي تمتلك مشروعات للبيوت الزجاجية والزراعة المتقدمة تمتد على مساحة تتجاوز مائة وسبعة هكتارات، وبقدرة إنتاجية معلنة بلغت مائة وخمسة وستين ألف كيلوجرام يومياً خلال عام 2024. كما برزت مشروعات الزراعة العمودية المغلقة التي تعتمد على التحكم في البيئة الداخلية للنباتات لخفض استهلاك المياه وزيادة المحاصيل في مساحات أصغر، مع توفير منتجات طازجة للأسواق. وبيانات رسمية أظهرت تقدم المملكة في نسب الاكتفاء الذاتي لبعض المنتجات الغذائية وفق ما استعرضته الوزارة في فبراير 2026: التمور 118 %، البيض 101 %، الخضروات 78 %، الدواجن 69 %، الأسماك 61.5 %. وتعكس هذه المؤشرات تفاوت قدرة الإنتاج المحلي على تلبية الطلب بحسب كل منتج، وتوضح المجالات التي ما زالت تحتاج إلى توسع واستثمار إضافيين.
معرض الرياض 2026 وآفاق المستقبل
يأتي المعرض الزراعي السعودي 2026 في هذا السياق كمنصة تجمع التقنيات والشركات ومشروعات الإنتاج الغذائي، وتتيح استعراض حلول الزراعة الدقيقة والري الذكي والاستزراع المائي وتجهيز الأغذية. ويتضمن برنامج المؤتمر الدولي المصاحب مناقشات حول توظيف الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة في الزراعة، ومستقبل الأمن الغذائي، وخفض تكاليف الإنتاج، وتعزيز الاستدامة في ظل التحديات المناخية. ومع ذلك، لا تزال الزراعة الذكية تواجه تحديات تتعلق بتكاليف الإنشاء والتشغيل والطاقة ونوع المحاصيل المناسبة، ما يجعل التوسع فيها مرتبطاً بالجدوى الاقتصادية وليس بالتقدم التقني وحده. ولا تعني هذه المشروعات أن السعودية ستتمكن من إنتاج جميع احتياجاتها الغذائية محلياً، لكنها تكشف اتجاهاً لإنتاج المزيد من المحاصيل المناسبة لبيئتها باستخدام موارد أقل. وبين الزراعة المائية والبيوت المحمية والروبوتات، تتشكل معادلة جديدة تسعى المملكة إلى تحقيقها ضمن رؤية 2030: إنتاج غذاء أكثر، واستهلاك مياه أقل، ومزارع قادرة على مواجهة تحديات المناخ. وهكذا، ربما لا يكون «الذهب الأخضر» مجرد محصول جديد، بل القدرة على تحويل التكنولوجيا والمياه المحدودة إلى إنتاج غذائي مستدام.






