خط أنابيب شرق–غرب ينقل 5.8 مليون برميل يومياً ويعزز مرونة التصدير السعودي

أهمية خط شرق–غرب في ظل اضطرابات 2026
في أسواق النفط لا تُقاس قوة نظام التصدير فقط بحجم الإنتاج بل أيضاً بالبنية التي تنقل الخام من مواقع الإنتاج إلى المستهلكين. وبرزت هذه الحقيقة أثناء الاضطرابات التي شهدها عام 2026 عندما تعرضت حركة النفط في الخليج والبحر الأحمر لضغوط متزامنة، ما سلط الضوء على المنظومة السعودية التي تربط شرق المملكة بساحل البحر الأحمر.
في تحديث رسمي أعلن وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان في السادس من أكتوبر 2026 أن معدل التدفق عبر خط أنابيب شرق–غرب بلغ 5.8 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب 83 % من طاقته التصميمية التي تبلغ نحو سبعة ملايين برميل يومياً وفقاً لبيانات أرامكو. وهذه النسبة محسوبة من الرقمين ولا تمثل نسبة تشغيل أعلنتها الشركة.
ويوضح أن هذا الرقم لا يعادل كمية الخام المصدرة من ينبع؛ فالخط هو منظومة نقل وتوضح أرامكو أن طاقته الإجمالية التي تقارب سبعة ملايين برميل يومياً تشمل نحو مليوني برميل يومياً يمكن توجيهها إلى المصافي، بالإضافة إلى وصلاته بمرافق التصدير على الساحل الغربي.
توزيع الصادرات بين الخليج والبحر الأحمر
قبل اضطرابات 2026 كان مسار التصدير الرئيسي عبر الخليج. حسب بيانات شركة بانشيرو كوستا للفترة من يناير إلى مايو 2025 استحوذت رأس تنورة على 83.7 % من شحنات الخام السعودي، مقابل 12.2 % لينبع و4.1 % لرأس الخفجي، وبذلك بلغت حصة منافذ الخليج الشرقي 87.8 % مقابل 12.2 % لينبع.
وتقدر بيانات كبلر صادرات السعودية من الخام خلال 2025 بنحو 6.3 مليون برميل يومياً، منها نحو 5.5 مليون برميل يومياً عبر موانئ الخليج و760 ألف برميل يومياً عبر البحر الأحمر؛ وهذه أرقام سوقية ليست رسمية سعودية.
ويبلغ طول خط شرق–غرب حوالي 1200 كيلومتر، وتصل طاقته إلى نحو سبعة ملايين برميل يومياً، وتؤكد أرامكو أن البنية توفر مسارات بديلة لتصدير الخام والمنتجات، بما فيها قناة السويس وخط سوميد، إلى جانب الطرق البحرية المرتبطة بالبحر الأحمر.
المرونة الاستراتيجية وتحديات النقل
مع اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز ارتفعت حركة الخام عبر الساحل الغربي؛ ففي مارس 2026 بلغت صادرات الخام من ينبع نحو 3.3 مليون برميل يومياً مقابل نحو 1.1 مليون برميل يومياً من رأس تنورة، بينما تراجعت صادرات الخام السعودية الإجمالية إلى نحو 5.3 مليون برميل يومياً وفق تقديرات أرجوس.
وفي أبريل ارتفعت تحميلات ينبع إلى ما بين 4 و4.2 مليون برميل يومياً، مقارنة بنحو 800 ألف برميل يومياً قبل اضطرابات نهاية فبراير، وفق بيانات كبلر وفورتكسا التي نقلتها أرجوس. وأظهر كبلر أن تدفقات الخام من ينبع سجلت 4.18 مليون برميل يومياً في أبريل، و3.77 مليوناً في مايو، و4.14 مليوناً في يونيو، مقابل متوسط قبل الأزمة يقدر بنحو 750 ألف برميل يومياً خلال 2025، ولا يعني هذا الارتفاع أن كل الخام الإضافي جاء مباشرة من الخط إذ تأثرت التدفقات أيضاً بالمخزونات الدولية والشحنات المتجهة إلى المشترين.
وأفادت أرامكو في عرض نتائج الربع الأول من 2026 أن خط شرق–غرب حقق طاقته البالغة نحو سبعة ملايين برميل يومياً مع إمكانية توجيه نحو مليوني برميل يومياً إلى المصافي، ما يؤكد أن طاقة الخط لا تعادل تلقائياً طاقة التصدير البحري من ينبع.
وتنبع تضم أيضاً قدرة تصديرية وبنية تكرير؛ فقد أوضحت أرامكو عند تشغيل فرضة ينبع الجنوبية في 2018 أن المنشأة أضافت ثلاثة ملايين برميل يومياً إلى الطاقة التصديرية عبر الساحل الغربي، مع مرافق للتخزين والتحميل واستقبال الخام. وتضم منظومة ينبع فرضة شمالية وأخرى جنوبية، وتستطيع بعض الأرصفة استقبال ناقلات كبيرة تصل إلى 500 ألف طن ساكن، لكن ذلك لا يعني إمكانية تحويل كامل طاقة خط شرق–غرب البالغة سبعة ملايين برميل يومياً إلى صادرات بحرية من ينبع إذ يذهب جزء من الخام إلى المصافي وتختلف الطاقة الاسمية عن معدلات التحميل الفعلية.
وتحتوي ينبع على منظومة تكرير مهمة؛ إذ يستخدم ياسرف نحو 400 ألف برميل يومياً من الخام العربي الثقيل، بينما تتجاوز طاقة مصفاة سامرف 400 ألف برميل يومياً، وتستخدم مصفاة رابغ نحو 400 ألف برميل يومياً من الخام.
وبالنسبة للمخاطر البحرية يوفر خط شرق–غرب نقطة خروج لا تحتاج للمرور عبر مضيق هرمز لكنه لا يلغي المخاطر؛ فالخام المتجه من ينبع إلى آسيا قد يمر بالبحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن والمحيط الهندي، بينما تستفيد الشحنات المتجهة إلى أوروبا من قرب ينبع من قناة السويس.
وتوضح أرامكو أن الخط يتيح تصدير الخام والمنتجات عبر مسارات بديلة تشمل قناة السويس وخط سوميد.
وأظهرت بيانات هيئة قناة السويس أن المسافة البحرية بين رأس تنورة وروتردام عبر قناة السويس تبلغ 6436 ميلاً بحرياً، مقابل 11169 ميلاً عبر رأس الرجاء الصالح، ولا تعني هذه المسافات زمناً ثابتاً للرحلة إذ يؤثر عليها سرعة الناقلة والانتظار والتحميل والتفريغ والظروف التشغيلية.
ويبرز هنا أهمية خط سوميد؛ إذ توضح شركة سوميد أن التفريغ الجزئي في العين السخنة يسمح للناقلات الكبيرة بتفريغ جزء من حمولتها لعبور قناة السويس بحمولة أقل، بينما ينتقل الخام عبر خط سوميد إلى سيدي كرير على البحر المتوسط حيث يمكن إعادة تحميله. ويبلغ طول خطي سوميد نحو 320 كيلومتراً بين العين السخنة وسيدي كرير.
وبالنسبة لآسيا تتمتع موانئ الخليج عادةً بأفضلية في الوصول إلى شرق آسيا؛ ويبلغ المسار البحري المحمل بين رأس تنورة ونينغبو وفق مؤشر الناقلات القياسي من بورصة البلطيق 5897 ميلاً بحرياً، مع سرعة نموذجية تبلغ 14 عقدة في الإبحار الكامل و12 عقدة في الإبحار الاقتصادي. أما الخام من ينبع إلى آسيا فيسلك البحر الأحمر ثم باب المندب والمحيط الهندي ما يجعل المسار أطول جغرافياً في الظروف الطبيعية، لكن اضطرابات 2026 دفعت السعودية إلى رفع تحميلات ينبع قبل عودة جزء من الخام إلى المسار الشرقي.
وفي سبتمبر ارتفع الخام السعودي المؤكد العابر لمضيق هرمز من نحو 700 ألف برميل يومياً في أغسطس إلى 2.8 مليون برميل يومياً وفق كبلر، ما يعكس عودة جزء من التدفقات إلى المسار الشرقي بعد تعطل خط شرق–غرب في سبتمبر.
وأصبحت عمليات النقل من سفينة إلى أخرى عاملاً مؤثراً في حركة الخام؛ وأفادت رويترز في سبتمبر بأن هذه العمليات في خليج عمان وصلت إلى حدود طاقتها مع ارتفاع الطلب على الناقلات العملاقة، وبلغت تكلفة استئجار ناقلة عملاقة لنقل الخام من الخليج إلى الصين نحو 1.27 مليون دولار أمريكي يومياً في إحدى قراءات السوق.
ونقلت رويترز عن بيانات سوقية أن عملية النقل من سفينة إلى أخرى أصبحت تستغرق نحو 10 أيام في بعض الحالات مقابل 5–7 أيام سابقاً بسبب الازدحام، وهي مدة ليست ثابتة لكل شحنة.
وقدرت كبلر أن إعادة توجيه بعض الشحنات الآسيوية عبر مسارات أطول يمكن أن يضيف نحو 20 يوماً أو أكثر إلى زمن الرحلة عند ارتفاع مخاطر باب المندب.
وفي سبتمبر تعرض خط شرق–غرب لهجوم أدى إلى توقفه مؤقتاً؛ وأظهرت صور الأقمار الصناعية ومصادر في قطاع النفط تضرر ثلاث محطات ضخ من أصل إحدى عشرة محطة، بينما قدرت المصادر في البداية أن استعادة معدلات الضخ الكاملة قد تحتاج إلى أسابيع.
لكن في السادس من أكتوبر أعلن وزير الطاقة وصول التدفقات إلى 5.8 مليون برميل يومياً بما يشير إلى تعافٍ تشغيلي أسرع من بعض التقديرات الأولية التي تحدثت عن ستة إلى ثمانية أسابيع.
وكان ذلك ثاني اختبار كبير للخط خلال العام؛ ففي أبريل أعلنت وزارة الطاقة استعادة الطاقة الكاملة للضخ البالغة نحو سبعة ملايين برميل يومياً بعد هجمات سابقة أدت إلى فقدان نحو 700 ألف برميل يومياً من طاقة الضخ.
وتاريخياً تعرض الخط لاختبار آخر في مايو 2019 عندما استهدفت طائرات مسيّرة محطتي الضخ 8 و9 ما دفع أرامكو إلى إيقافه مؤقتاً قبل استئناف العمليات.
وفي سبتمبر ارتفعت تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب للناقلات المرتبطة بالسعودية والمتجهة إلى ينبع إلى نحو 3 % من قيمة السفينة وفق بيانات سوقية نقلتها رويترز، مع ارتفاع أكبر في بعض الموانئ القريبة من اليمن.
وفي الوقت نفسه قفزت أسعار استئجار الناقلات العملاقة على مسارات الخليج–الصين إلى مستويات قياسية وسجلت إحدى قراءات السوق 1.27 مليون دولار أمريكي يومياً.
وبالتالي فإن نقل البرميل بعيداً عن هرمز قد يقلل الاعتماد عليه لكنه لا يعني بالضرورة انخفاض تكلفة التصدير؛ إذ يمكن أن ترتفع النفقات بفعل التأمين في البحر الأحمر والازدحام وعمليات النقل من سفينة إلى أخرى وطول المسار إلى آسيا.
ويظهر خط شرق–غرب كيف يعيد توزيع الخيارات؛ فبيانات 2025 توضح أن النموذج التقليدي كان يعتمد بدرجة كبيرة على منافذ الخليج؛ فبحسب بانشيرو كوستا خرج نحو 87.8 % من صادرات الخام عبر رأس تنورة ورأس الخفجي خلال يناير–مايو 2025 مقابل 12.2 % عبر ينبع.
ثم أظهرت اضطرابات 2026 قدرة السوق السعودية على تغيير توزيع التدفقات؛ إذ ارتفعت تحميلات ينبع إلى ملايين البراميل يومياً وبلغت 4.14 مليون برميل يومياً في يونيو وفق كبلر قبل عودة جزء من الخام إلى الخليج مع تغير ظروف الملاحة وتعرض خط شرق–غرب لهجوم في سبتمبر.
ولا يمكن اختزال هذا التحول في نسبة ثابتة مثل 75 % أو 80 % من الصادرات عبر الساحل الغربي لأن بيانات التحميل والتدفق تتغير شهرياً وتزيد عمليات النقل من سفينة إلى أخرى من تعقيد تحديد منشأ بعض الشحنات ومسارها النهائي.
وأخيراً تكشف أرقام أكتوبر 2026 أن خط أنابيب شرق–غرب يؤدي وظيفة تتجاوز النقل التقليدي للخام حيث يمثل حلقة استراتيجية تسمح بتحريك الخام من الشرق إلى الغرب مع تخصيص جزء من قدرته للمصافي وربط بقية المنظومة بمرافق التخزين والتصدير.
والرقم البالغ 5.8 مليون برميل يومياً يؤكد أن الخط يعمل عند مستوى مرتفع من قدرته لكنه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حجم صادرات ينبع أو حجم الخام الذي يصل إلى الناقلات.
وبين الرقمين 5.8 وسبعة ملايين برميل يومياً تظهر الفكرة الأهم: قوة المنظومة ليست في امتلاك مسار بديل فقط بل في القدرة على تغيير طريق البرميل وتوزيع المخاطر بين الخط والمصافي والتخزين والموانئ والأسواق.
وهذه المرونة هي التي تمنح خط شرق–غرب قيمته الاستراتيجية في سوق يمكن أن تتحول فيها سلامة الممر البحري خلال أيام إلى عامل يغير تكلفة ومسار وتوقيت وصول ملايين البراميل إلى الأسواق العالمية.






