الرئيسيةمحلياتكيف تخلق الخلايا العنقودية على منصة...
محليات

كيف تخلق الخلايا العنقودية على منصة X وهم الرأي العام؟

لم تعد المنافسات بين الدول تقتصر على الميادين التقليدية أو البيانات السياسية أو حتى وسائل الإعلام العادية، فقد باتت منصات التواصل الاجتماعي ساحةً قائمةً بذاتها حيث تتداخل السياسة والإعلام والحرب النفسية وعمليات التأثير.

آلية عمل الخلايا العنقودية الرقمية

من بين الأساليب التي برزت خلال السنوات الأخيرة ما يمكن وصفه بـ«الخلايا العنقودية الرقمية». هذا المصطلح لا يعني وجود تنظيم هرمي معلن أو غرفة عمليات واحدة تدير آلاف الحسابات، بل يصف نمطاً من العمل يعتمد على مجموعات صغيرة من الحسابات تبدو مستقلةً ظاهرياً لكنها تتحرك بصورة متقاربة في التوقيت، متشابهة في السردية ومتوافقة في الهدف.

ويقرب صورة هذا المفهوم من عنقود العنب: كل حبة تبدو منفصلة عن الأخرى لكنها في الحقيقة متصلة بساق واحدة؛ فإذا سقطت حبة بقي العنقود، وإذا حُذف حساب ظهرت حسابات أخرى تؤدي الدور نفسه، وإذا انكشف مسار انتقلت الرسالة إلى مسار مختلف دون أن تتوقف الحملة.

تكمن خطورة هذا الأسلوب في عدم الاعتماد على قوة الحساب الواحد، بل على تكرار الرسالة وتوزيعها على dozens من الحسابات حتى يتهيأ للمتابع أن ما يراه يمثل رأياً عاماً واسعاً بينما قد يكون في حقيقته نشاطاً محدوداً نجح في استغلال خوارزميات المنصة.

التطبيق في الحالة السعودية

في الحالة السعودية لا يقتصر الاستهداف على قضية بعينها بل يمتد إلى منظومة متكاملة تشمل القيادة والدولة والمجتمع والمشروع الوطني؛ فترتفع أحيانًا التشكيك في القرارات السيادية، وتارةً التقليل من الإنجازات، وتارةً السخرية من التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وتارةً أخرى محاولة إضعاف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

هذه الحملات لا تتحرك بصورة عشوائية؛ غالباً ما تمر بدورة عمل متشابهة تبدأ باختيار قضية قابلة لإثارة الجدل، ثم صياغة رواية محددة، يتبعها توزيع الرسالة على عدد من الحسابات، ثم إعادة نشرها بصيغ مختلفة، قبل الانتقال إلى مساحة صوتية تُناقش فيها القضية وتُقتطع منها مقاطع قصيرة يعاد نشرها بكثافة لتظهر وكأنها تعكس اهتماماً شعبياً واسعاً.

وتؤدي المساحات الصوتية في منصة X دوراً يتجاوز مجرد الحوار؛ ففي بعض الحالات تتحول إلى ما يشبه غرف التشغيل الإعلامي حيث تُختبر السرديات، وتُوزع الأدوار، ويُدفع الجمهور إلى تبني زوايا محددة للنقاش، ثم يُعاد تدوير المخرجات في صورة تغريدات ومقاطع قصيرة، ما يمنح الرواية عمراً أطول وانتشاراً أوسع.

ولا يتوقف التأثير عند صناعة الوسوم أو تضخيم الروايات؛ بل قد يمتد إلى الاغتيال المعنوي للأصوات الوطنية، فبدلاً من مناقشة الفكرة يتحول التركيز إلى صاحبها، ويصبح الهدف إضعاف مصداقيته أمام الجمهور عبر السخرية الشخصية، والتشكيك في النوايا، واجتزاء العبارات من سياقها، وإعادة تدوير الاتهامات نفسها، ومحاولة إلصاق أوصاف ثابتة بالمغرد الوطني أو بمن يسعى إلى نشر الوعي داخل المساحات الصوتية.

عندما تتكرر هذه الأساليب بصورة متزامنة من حسابات متعددة قد يتجاوز الأثر النفسي الشخص المستهدف ليصل إلى بقية الأصوات الوطنية، فينشأ ما يمكن تسميته بـ«أثر الردع المعنوي» حيث يتردد بعض المستخدمين في المشاركة ليس لضعف حجتهم بل خشية أن يصبحوا الهدف التالي لحملات التشويه.

وهنا تتحقق إحدى أهم غايات الحرب المعلوماتية: تقليص مساحة الأصوات الفاعلة دون الحاجة إلى إسكاتها تقنياً؛ يكفي إشغالها بالدفاع عن نفسها أو إنهاكها بسيل متواصل من الاتهامات حتى يتراجع حضورها ويضعف تأثيرها.

التمييز بين النقد المشروع والنشاط العنقودي

لا يعني ذلك أن كل مساحة صوتية أو كل حملة وسم أو كل مجموعة حسابات متشابهة تعمل ضمن تنسيق منظم؛ فالنقد والاختلاف وتوافق الآراء أمور طبيعية في أي فضاء عام. لكن عندما تتكرر أنماط بعينها مثل التطابق في المفردات، والتزامن في النشر، والانتقال الجماعي بين الموضوعات، والاعتماد على الحسابات نفسها في إعادة الترويج فإن هذه المؤشرات تستحق القراءة والتحليل.

النقد الطبيعي يناقش قضية محددة، ويقبل الحوار، وقد ينتهي بانتهاء الموضوع، أما النشاط العنقودي فلا يرتبط غالباً بقضية بعينها بل ينتقل باستمرار من ملف إلى آخر مع بقاء الهدف واحداً: صناعة مناخ من التشكيك المستمر وإبقاء حالة الجدل قائمة وتحويل كل إنجاز إلى موضع نزاع وكل قرار إلى مادة للطعن وكل نجاح إلى مناسبة لإنتاج رواية مضادة.

والهدف الحقيقي ليس إقناع الجميع بل إنهاك المجال العام؛ فالحملات الرقمية الحديثة تدرك أن تكرار الرسالة قد يكون أحياناً أكثر تأثيراً من قوتها، وأن الضجيج المتواصل قد يمنح الانطباع بوجود أغلبية حتى لو كانت الأصوات الحقيقية محدودة.

ولذلك فإن التعامل مع هذا النوع من الحملات لا يكون بالدخول في مواجهة مع كل حساب ولا بتحويل كل تغريدة إلى معركة، بل بفهم الآلية أولاً؛ فالحسابات قد تتغير والأسماء قد تختفي لكن النمط يبقى هو نفسه.

ومن هنا تأتي أهمية تحليل الشبكات الرقمية، ورصد العلاقات بين الحسابات، ومتابعة توقيتات النشر، ودراسة مسارات انتشار المحتوى بدلاً من الاكتفاء بالنظر إلى كل حساب بمعزل عن الآخر؛ كما أن رفع مستوى الوعي الرقمي لدى المستخدمين يمثل خط الدفاع الأول لأن الجمهور الذي يعرف كيف تُصنع الحملات أقل قابليةً للانجرار خلفها.

السعودية، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي وديني وإقليمي، ستظل محوراً للنقاش ومحل اهتمام وأحياناً هدفاً لمحاولات التأثير؛ غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود هذه الحملات بل في القدرة على تمييز الرأي الطبيعي من الضجيج المصطنع والنقد المشروع من محاولات صناعة الإدراك.

الخلايا العنقودية الرقمية ليست مجرد مجموعة حسابات متشابهة بل هي أسلوب في إدارة التأثير يقوم على تضخيم الصوت وإعادة تدوير الرسالة وتشتيت الانتباه وأحياناً استهداف الأشخاص بدلاً من أفكارهم لإضعاف الأصوات المؤثرة وتقليل حضورها في المجال العام.

لكن التاريخ الرقمي يثبت أن الوهم مهما تضخم يبقى وهماً وأن الضجيج مهما ارتفع لا يتحول إلى حقيقة بمجرد تكراره؛ فالحقيقة لا تُقاس بعدد مرات إعادة نشرها بل بما تستند إليه من دليل ووعي وقدرة على الصمود أمام حملات التشويه.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *