الرئيسيةمحلياتأخلاقيات المهنة في عصر الإعلام الرقمي:...
محليات

أخلاقيات المهنة في عصر الإعلام الرقمي: كيف يواصل الطبيب رسالته العلمية خارج عيادته؟

06/07/2026 09:00

أصبح الإعلام اليوم امتدادًا طبيعيًا للممارسة الصحية، حيث لا يقتصر تواصل الممارس الصحي مع جمهوره على جدران العيادة فحسب، بل يمتد إلى الشاشات، ومنصات التواصل الاجتماعي، والبودكاست، والمقاطع القصيرة. بهذه الوسائل يستطيع رفع مستوى الوعي الصحي لمجتمع بأكمله، كما كان يفعل مع كل مريض على حدة، وهو ما يمثل تحولًا إيجابيًا يستحق التشجيع في ظل الحاجة المتزايدة إلى صوت علمي موثوق ينعكس في فضاء مليء بالمعلومات المتضاربة والشائعات والنصائح غير المثبتة.

فرص وتحديات الإعلام الصحي

مع هذه الفرصة تظهر مسؤوليات جديدة، فالإعلام بطبيعته يفضّل الرسائل السريعة والجذابة، بينما يرتكز الطب على الدقة والتوازن وشرح الاحتمالات. ما يجذب انتباه المتلقي لا يعكس دائمًا حقيقة العلم، خاصة أن خوارزميات المنصات الرقمية تميل إلى مكافأة المحتوى الأكثر إثارة على الأكثر صحة. يجد الممارس الصحي نفسه أمام معضلة حقيقية: كيف يصوغ رسالة واضحة ومؤثرة دون أن يبسط الحقيقة العلمية بصورة مفرطة أو يبالغ في تبسيطها.

اللغة بين غرفة الكشف ومنصات التواصل

التحدي ليس فقط في اختلاف المعلومة، بل في الاختلاف اللغوي بين ما يُقال داخل غرفة الكشف بلغة دقيقة ومتوازنة، وما يُعاد صياغته على المنصات الرقمية بصورة أكثر حسمًا أو إثارة للانتباه. لا تتغير الوقائع العلمية، لكن طريقة عرضها قد تتبدل، وهذا التغيير قد يكون كافيًا لتغيير الفهم واتخاذ القرارات الصحية لدى الجمهور.

الطبيب كمسوق علمي: حدود الأخلاقيات

أصبح من المعتاد أن يسعى الطبيب إلى بناء حضوره المهني وتعريف الجمهور بخبراته أو منشأته أو الخدمات التي يقدمها. هذا السعي لا يُعدّ إشكالا بحد ذاته، بل قد يسهل وصول المرضى إلى مقدم الخدمة المناسب. إلا أن القيمة الأخلاقية لا تُقاس بوجود التسويق، وإنما بطريقة ممارسته؛ فهناك فرق كبير بين إطلاع المجتمع على خبراته ومجالات عمله، وبين تحويل منصاته إلى مساحة للمبالغة أو لإثارة المخاوف أو لتقديم وعود علاجية غير واقعية، أو لتفضيل الجاذبية التسويقية على الصدق العلمي.

كما يبرز تحدٍ آخر يتعلق بما لا يقوله الممارس الصحي: ضرورة الإفصاح عن أي مصلحة مالية أو تجارية عند الحديث عن منتج أو خدمة، وهو ما يُعدّ جزءًا من حق الجمهور في تقييم الرسالة وتأكيد الشفافية التي تعزز الثقة ولا تضعفها.

المجتمع كشريك في بناء الوعي

تكملة المشهد الأخلاقي تتطلب متلقًا أكثر وعيًا؛ فالمجتمع شريك في هذه المنظومة. كلما ارتبطت الثقة بعدد المتابعين أو جودة الإنتاج أو شهرة المنصة بدلاً من الكفاءة المهنية والدليل العلمي، كلما شجعت البيئة الإعلامية على الرسائل التي تجذب الانتباه أكثر من تلك التي تعزز المعرفة. لذا، لا يقتصر رفع الوعي الصحي على تصحيح المعلومات فحسب، بل يشمل تمكين الناس من تقييم مصادرها والتمييز بين المعلومة الطبية الموثوقة والمحتوى الذي يكتسب تأثيره من أساليب العرض أكثر من قوته العلمية.

هنا تظهر أخلاقيات المهنة كحد فاصل؛ فالممارس لا يفقد صفة المهنية عندما يغادر عيادته، ولا تتغير مسؤولياته الأخلاقية عندما يقف أمام الكاميرا. المبادئ التي تحكم علاقته بالمريض داخل غرفة الكشف يجب أن تحكم كل كلمة يقولها علنًا: الصدق، والشفافية، والاستقلالية، واحترام الدليل العلمي، وتقديم مصلحة المريض والمجتمع على أي اعتبارات أخرى.

لذلك، لا ينبغي أن يُطرح سؤال «هل يظهر الطبيب في الإعلام أم لا؟» وإنما يجب التركيز على «كيف يظهر؟» الهدف ليس الحد من حضور الممارسين الصحيين، بل تمكينهم من ممارسة هذا الدور ضمن إطار أخلاقي واضح يحمي المجتمع من التضليل ويحفظ لمهنة الطب مكانتها، ويمنح الطبيب الثقة في أن خطابه العلني امتداد لرسالته المهنية.

غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي مكان نشر الكلمة الطبية، لكنها لم تُغير قيمتها ولا خفّفت من مسؤولية قائلها. إذا انتقل الطبيب من غرفة الكشف إلى المنصات الرقمية، فإن أخلاقيات المهنة يجب أن تنتقل معه بنفس الوضوح.

ربما لا نحتاج إلى أخلاقيات مهنية جديدة بقدر ما نحتاج إلى إعادة قراءة الأخلاقيات في ضوء الواقع الجديد. المنصات تغيرت وأدوات التواصل تطورت، لكن المبادئ التي تحفظ كرامة المهنة وتضمن ثقة المجتمع لا ينبغي أن تتبدل. المسؤولية التي يحملها الطبيب أمام مريض واحد هي نفسها التي يحملها أمام ملايين المتابعين؛ لأن أخلاقيات المهنة لا تنتهي عند باب العيادة، بل ترافق الطبيب أينما وصل صوته وأيًا كانت المنصة التي يخاطب الناس من خلالها.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *