اكتمال نقل التجمعات الصحية إلى شركة الصحة القابضة مطلع 2027.. كيف ينعكس على رحلة المريض؟

لا تقتصر معاناة مرضى الأمراض المزمنة في المملكة على صعوبة حجز موعد طبي فحسب، بل تمتد لتشمل الحاجة إلى فحوصات دورية وأدوية ومتابعة مستمرة، إضافة إلى استشارات الأطباء المتخصصين أو التنويم في المستشفى عند الضرورة. وكل خطوة بين هذه الخدمات تتطلب تنسيقاً دقيقاً لضمان حصول المريض على الرعاية المناسبة في الوقت المطلوب.
هذه الرحلة اليومية لملايين المستفيدين من الخدمات الصحية تقع في قلب أكبر تحول مؤسسي يشهده القطاع الصحي السعودي، مع اقتراب موعد اكتمال نقل التجمعات الصحية العشرين إلى شركة الصحة القابضة مع بداية عام 2027.
اجتماع اقتصادي يناقش خطوات التحول
في اجتماعه المنعقد يوم الاثنين 2 نوفمبر 2026، استعرض مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية التقدم المحرز في خطة تحول وزارة الصحة، وما تم إنجازه في نقل عشرة تجمعات صحية إلى شركة الصحة القابضة، إضافة إلى الخطوات اللازمة لنقل التجمعات العشرة المتبقية في مطلع العام المقبل.
ويهدف هذا المسار، بحسب البيان الرسمي، إلى الفصل بين تقديم الخدمات الصحية من جهة وتنظيمها وتمويلها من جهة أخرى. إذ تتولى وزارة الصحة مهام الإشراف والتنظيم، وتقدم شركة الصحة القابضة الخدمات عبر التجمعات العشرين، بينما يختص مركز التأمين الصحي الوطني بتمويل الخدمات المشمولة بمنظومته.
ويطرح هذا الترتيب سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمريض أن يشعر بفارق حقيقي في سرعة الحصول على الخدمة، واستمرارية العلاج، وجودة الرعاية؟
عشرة تجمعات انتقلت فعلياً و130 ألف موظف
بدأ التحول المؤسسي قبل الموعد المحدد لاستكماله في 2027 بسنوات، حيث أنشئت التجمعات الصحية العشرون واكتمل إطلاقها بنهاية 2023 كجزء من المرحلة الأولى للتحول الصحي. ثم جاءت المرحلة التالية لتنظيم نقل تبعيتها التشغيلية وكوادرها العاملة إلى شركة الصحة القابضة على دفعات.
ووفقاً لبيانات شركة الصحة القابضة المنشورة في يوليو 2026، شملت الدفعة الأولى ثلاثة تجمعات: تجمع الشرقية الصحي، وتجمع القصيم الصحي، وتجمع الرياض الصحي الثاني. أما الدفعة الثانية فضمت سبعة تجمعات أخرى هي: الأحساء، الطائف، نجران، حائل، تبوك، الحدود الشمالية، وحفر الباطن. وبهذا اكتملت إجراءات نقل عشرة تجمعات من أصل عشرين.
وقد تجاوز عدد الموظفين والموظفات الذين شملتهم إجراءات الانتقال في المرحلتين 130 ألفاً من الكوادر الصحية والإدارية. وتوزعت الإجراءات بين أكثر من 62 ألف موظف في المرحلة الأولى وأكثر من 68 ألفًا في الثانية، مع تجاوز نسبة قبول عروض الانتقال 99% بين من أبدوا رغباتهم. وجرت هذه الإجراءات وفق الأطر النظامية المعتمدة واستناداً إلى قرار مجلس الوزراء رقم 616 الذي ينظم انتقال الموظفين ويحافظ على حقوقهم.
وبالنسبة للمستفيدين، فإن اكتمال نقل التجمعات في 2027 يعني استكمال إحدى أهم مراحل إعادة تنظيم الجهة المشغلة للخدمات الصحية الحكومية، دون أن يعني إنشاء تجمعات جديدة أو بدء تقديم خدماتها للمرة الأولى، فهذه التجمعات قائمة وتعمل بالفعل.
ثلاثة أطراف في المنظومة.. لماذا يجري فصل الأدوار؟
لفهم طبيعة التحول، يمكن النظر إلى النظام الصحي عبر ثلاثة أسئلة: من يضع قواعد تقديم الرعاية؟ ومن يقدم الخدمة للمريض؟ ومن يمولها؟
في النموذج السابق كانت وزارة الصحة تجمع أدوار التنظيم والتمويل وتقديم الخدمات عبر منشآتها الحكومية. أما النموذج الجديد فيوزع هذه المسؤوليات بين جهات متخصصة: تتولى الوزارة التنظيم والإشراف والرقابة وتطوير السياسات والمعايير، وتتولى شركة الصحة القابضة تقديم الرعاية عبر التجمعات العشرين بما تضمه من مستشفيات ومراكز رعاية أولية ومنشآت تخصصية، بينما يختص مركز التأمين الصحي الوطني بتمويل الخدمات وفق نموذج التمويل والشراء الصحي.
ويهدف هذا الفصل إلى تعزيز وضوح المسؤوليات والمساءلة، وإتاحة مرونة أكبر لإدارة الموارد والمنشآت، وتوجيه التمويل نحو الخدمات والنتائج الصحية. ويظهر ذلك جلياً عندما يحتاج تجمع صحي إلى توزيع مواعيد تخصص معين بين مستشفياته أو الاستفادة من الطاقة الاستيعابية أو إعادة توجيه الموارد البشرية، بدلاً من ارتباط التفاصيل التشغيلية اليومية بمستويات إدارية مركزية.
رحلة المريض تبدأ قبل دخول المستشفى
يرتكز نموذج الرعاية الصحية السعودي على توسيع مفهوم الخدمة الطبية ليشمل الوقاية والكشف المبكر والمتابعة إلى جانب العلاج. وتحصل مراكز الرعاية الأولية على دور أوسع كنقطة تواصل مستمر مع المستفيد، خاصة في الحالات المزمنة مثل مرض السكري الذي يحتاج إلى متابعة مؤشرات السكر وتقييم المضاعفات والفحوصات الدورية والتثقيف الصحي.
اقرأ أيضاً: جامعة جازان تناقش تحديات الأوبئة والأمراض المستوطنة في لقاء «الصحة الواحدة»
ويساعد وجود طبيب أسرة وفريق رعاية يتابع الحالة على تنظيم هذه الخدمات ضمن مسار علاجي مترابط، وعند الحاجة إلى تدخل تخصصي يستهدف النموذج تيسير الانتقال بين مستويات الرعاية ثم متابعة الحالة بعد انتهاء العلاج أو الخروج من المستشفى.
وتشمل مسارات الرعاية التي تطبقها التجمعات الصحية التعامل مع الأمراض المزمنة ورعاية الأم والطفل والكشف المبكر عن السرطان والرعاية العاجلة والرعاية التلطيفية والمسارات التخصصية للحالات الحرجة. لكن التوسع في دور الرعاية الأولية لا يعني إلزام جميع المرضى بالمرور عبر طبيب الأسرة للوصول إلى أي خدمة تخصصية، أو إلغاء مراجعة المستشفيات مباشرة بصورة شاملة، فالوصول إلى الخدمات والإحالات تخضع للسياسات الطبية وطبيعة الحالة.
اعتمادات دولية لـ40 مركزاً متخصصاً
في 27 أكتوبر 2026، أعلنت شركة الصحة القابضة حصول 40 مركزاً متخصصاً موزعة على التجمعات العشرين على اعتماد دولي من جمعية القلب الأمريكية في رعاية حالات الجلطات القلبية والسكتات الدماغية. شملت الاعتمادات 20 مركزاً للتعامل مع ألم الصدر والجلطات القلبية (18 منها بالمستوى الشامل و2 بالمستوى الأولي)، و20 مركزاً لرعاية السكتات الدماغية (12 بالمستوى الشامل و8 بالمستوى الأولي).
وجاء هذا الاعتماد بعد برنامج لتطوير وتحديث أكثر من 200 سياسة وإجراء، وتفعيل أكثر من 50 مساراً علاجياً، وتوحيد أكثر من 75 إجراءً تشغيلياً. وفي حالات الجلطات القلبية والسكتات الدماغية تحديداً تؤثر سرعة التشخيص والتدخل الطبي في النتائج العلاجية، مما يجعل تنظيم مسار التعامل مع الحالة مسألة مرتبطة بسلامة المريض.
وأعلنت الشركة أن المرحلة التالية ستركز على تطوير قدرات المراكز وقياس النتائج السريرية واستدامة التحسين.
مؤشرات التغطية والجودة في 2025
بحسب تقرير تحول القطاع الصحي لعام 2025، بلغت نسبة التجمعات السكانية التي تغطيها خدمات الرعاية الصحية الأساسية 97.5% شاملة المناطق الطرفية. كما أظهر التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام 2025 وصول مؤشر جودة الخدمات الصحية إلى 70.4% متجاوزاً المستهدف السنوي البالغ 60%، ويقيس هذا المؤشر أبعاداً متعددة تتعلق بفعالية الخدمة وكفاءتها وسلامتها وسرعتها وتركيزها على المريض.
اقرأ أيضاً: 6 خطوات إلكترونية للحصول على القسائم التعليمية لذوي الإعاقة عبر منصة «مدارس»
وأسهم التحول الرقمي في إتاحة وسائل إضافية للوصول إلى الرعاية، حيث تجاوز عدد المستفيدين من تطبيق «صحتي» 31 مليوناً، واستفاد أكثر من 365 ألف شخص من خدمات مستشفى صحة الافتراضي عبر شبكة تضم 241 منشأة صحية مرتبطة به وفق بيانات 2025.
وتكشف هذه المؤشرات مرحلتين متكاملتين: توسيع الوصول الجغرافي ثم تحسين سرعة الرعاية وجودتها، ومع اقتراب نسبة التغطية الأساسية من المستهدف النهائي تصبح متابعة جودة الخدمة ونتائجها الصحية أكثر أهمية.
الكوادر الصحية جزء أساسي من معادلة التحول
يرتبط نجاح أي نموذج للرعاية بقدرة الممارسين الصحيين على تطبيقه، ولهذا يتزامن انتقال التجمعات مع برامج لاستقطاب الكفاءات الوطنية والتدريب. وفي 19 أكتوبر 2026، أعلنت شركة الصحة القابضة طرح 4,291 فرصة وظيفية جديدة للممارسين الصحيين السعوديين موزعة على التجمعات العشرين، وأوضحت أن مجموع عمليات التوظيف وعقود التدريب المنتهي بالتوظيف خلال عام 2026 بلغ 19,610، تشمل توظيف 12,914 من الكفاءات الوطنية واعتماد 2,405 عقود تدريب منتهية بالتوظيف.
وتوضح البيانات أن تطوير الكوادر جزء من الاستعداد للتوسع في تقديم الخدمات وتحسين جاهزية المنشآت، وكلما زادت قدرة التجمعات على توزيع التخصصات والكوادر بحسب الطلب الفعلي أصبحت إدارة المواعيد والخدمات أكثر مرونة.
التأمين الصحي الوطني.. من يمول ومن يستفيد؟
استعرض مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية أيضاً التقدم في مجال التأمين الصحي الوطني، وهو أحد مكونات إعادة تنظيم المنظومة. وقد أثار هذا التحول تساؤلات حول مستقبل مجانية العلاج للمواطنين، وفي هذا السياق أكدت شركة الصحة القابضة في إعلان رسمي خلال يونيو 2024 التزامها بتنفيذ التوجيهات الحكومية باستمرار مجانية العلاج لجميع المواطنين.
وتظل التفاصيل المتعلقة بحزمة المنافع وإجراءات اختيار مقدمي الخدمات ومسارات الإحالة خاضعة للتنظيمات الرسمية، ولا يمكن اعتبار اكتمال انتقال التجمعات مطلع 2027 موعداً تلقائياً لتغيير جميع قواعد التغطية الصحية أو منح حرية اختيار غير مقيدة لأي منشأة علاجية.
2027.. اكتمال الانتقال وبداية مرحلة أدق لقياس الأثر
مع انتقال التجمعات العشرة المتبقية تستهدف المملكة استكمال البنية المؤسسية التي تتولى من خلالها شركة الصحة القابضة تقديم الخدمات عبر التجمعات العشرين، مما سيتيح توحيد الإطار التشغيلي والإداري وتعزيز قدرتها على تطبيق نموذج الرعاية الصحية السعودي. لكن التقدم الذي يلمسه المواطن سيظل مرتبطاً بفاعلية الخدمات نفسها: حصوله على موعد مناسب، وسرعة التشخيص، واستمرار العلاج، ووصوله إلى التخصص المطلوب عند الحاجة، وقدرة المنشآت على متابعته بعد انتهاء التدخل الطبي.
المزيد في قسم محليات






