شباب إفريقيا يوظفون الفضاء الرقمي في إنعاش لغات الأجداد

يتنامى لدى الأجيال الشابة في القارة الإفريقية الاهتمام باللغات المحلية الموروثة عن الأسلاف، في توجه لا يقتصر على الحفاظ على مفردات مهددة بالاندثار، بل يمثل إعادة نظر في اللغة بوصفها مكوناً من مكونات الهوية والانتماء الثقافي، وقد امتد هذا التوجه ليشمل العالم الرقمي عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
اللغات المحلية بين الهوية الرقمية والهيمنة الاستعمارية
ما زالت لغات مثل الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية، التي ورثتها القارة عن الحقبة الاستعمارية، تحتل مكانة مركزية في العديد من البلدان الإفريقية، خصوصاً في مجالات التعليم وسوق العمل والتواصل الرسمي. في المقابل، تحمل اللغات المحلية التي تنتقل عبر الأسر والمجتمعات دلالة مختلفة لدى الشباب الباحثين عن هويتهم وجذورهم الثقافية.
ومع التوسع في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، وجدت هذه اللغات حيزاً جديداً للظهور، فلم تعد محصورة في الاستخدام اليومي داخل نطاق الأسرة. وتظهر الأبحاث أن توجه الأسر المهاجرة نحو استخدام اللغة السائدة قد يُضعف انتقال لغات الأجداد بين الأجيال، مما قد ينعكس سلباً على الروابط العائلية والثقافية.
وسائل التواصل: ساحة مزدوجة للهيمنة والتمكين
كشفت أبحاث تناولت استخدام الشباب في منطقة ليمبوبو بجنوب إفريقيا لوسائل التواصل الاجتماعي، أن الإنجليزية رغم هيمنتها في بعض المجالات لا تمنع الشباب من استخدام لغاتهم المحلية في تواصلهم الأكثر خصوصية. وفي دراسة نُشرت خلال العام الجاري 2026 حول استخدام طلاب الجامعات في نيجيريا لتطبيق “واتساب”، تبين أن سيطرة الإنجليزية يمكن أن تؤثر في استخدام لغة الإيغبو (شرق نيجيريا) في التواصل الرقمي اليومي.
وبهذا، تبرز وسائل التواصل كمجال يمكن أن تعزز فيه اللغات السائدة نفوذها، وفي الوقت نفسه تفتح فيه اللغات المحلية مجالات جديدة للاستخدام. وأصبح مستقبل اللغات مرتبطاً أيضاً بحجم المحتوى المتاح بها على الإنترنت، وقدرة محركات البحث وأنظمة الترجمة والذكاء الاصطناعي على التعامل معها.
الذكاء الاصطناعي وتحديات التمثيل الرقمي للغات الإفريقية
خلص بحث نُشر في عام 2025 تناول التمثيل الرقمي للغات إفريقية مثل اليوروبا والكينيارواندا والأمهرية، إلى أن البيانات المتاحة بهذه اللغات محدودة رغم أن ملايين الأشخاص يتحدثون بها، وأن جزءاً من محتواها الرقمي مختلط بالإنجليزية. وأشار البحث إلى أن ذلك قد يصعّب على أنظمة الذكاء الاصطناعي التعرف عليها بدقة، بينما يمكن للمحتوى الأكثر انتظاماً والمكتوب بلغة واحدة أن يوفر بيانات أكثر قابلية للاستخدام من جانب هذه الأنظمة.
وفي تقييم نشرته في أبريل/نيسان الماضي، أشارت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُدرَّب على كميات كبيرة من المحتوى باللغات السائدة، بينما لا تحظى لغات إفريقية – بينها الهوسا والزولو – بالتمثيل نفسه. وتوصي اليونسكو باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية والتعرف على الكلام ومعالجة اللغة الطبيعية لزيادة الحضور الرقمي للغات منخفضة الموارد.
شهادات شبابية من إسطنبول: تعليم الذكاء الاصطناعي كلمات الأمهات
قال شباب أفارقة يدرسون في جامعات إسطنبول، في أحاديث منفصلة مع الأناضول، إن وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي يوفران فرصة للحفاظ على اللغات التي ورثوها عن عائلاتهم.
وأوضحت الليبيرية مرياما إس. ديالو (21 عاماً)، وهي طالبة في جامعة إسطنبول 29 مايو، أن الإنجليزية منتشرة في بلدها، لكنها تعتبر اللغة التي تتحدث بها أسرتها في المنزل لغتها الأم. وأضافت: “اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي أيضاً ما يعزز مجتمعنا وثقافتنا ومستقبلنا”. وأشارت إلى أنها أصبحت تتحدث لغتها الأم بدرجة أقل بعد قدومها إلى تركيا، لكنها وجدت فرصة للتحدث بها مع طلاب قادمين من بلدان إفريقية مختلفة.
وذكرت ديالو أنها تتابع محتوى بلغتها على وسائل التواصل، وتحاول تعليم كلمات منها لبرامج الذكاء الاصطناعي، قائلة: “أعلّم برامج الذكاء الاصطناعي، مثل التشات جي بي تي، كلمات من لغتي. أحاول أن أُكوّن ذاكرة لغوية ضمن هذه البرامج”. وأردفت: “وعلى سبيل المثال، أعلّمه كلمة Djarama التي تعني مرحبا في لغتي، وأعلّمه الكثير من الكلمات بهذه الطريقة”. ورأت أن تشجيع الشباب على تعلم لغاتهم واستخدامها عبر المنصات الرقمية يحميها من الاندثار، لافتة إلى أن بعض العبارات في اللغة الأم تفقد شعورها عند ترجمتها حرفياً إلى لغات أخرى.
بدوره، قال الإثيوبي عبدي أمان بوسا (19 عاماً)، وهو طالب في جامعة إسطنبول، إن إدماج اللغات الإفريقية في أنظمة الذكاء الاصطناعي مهم للشباب ولمن لا يتحدثون لغات أخرى. وحذر من أن نسيان الشباب الأفارقة المقيمين بالخارج لغاتهم الأصلية قد يضعف صلتهم بثقافاتهم، مضيفاً: “قد لا يعود الشخص قادراً حتى على التواصل مع أسرته وكبار أفراد عائلته”.
من جانبها، قالت السنغالية مامي فاتو غييه سيسيه (23 عاماً)، وهي طالبة في جامعة يلدز التقنية، إن الفرنسية والولوف (لغة محلية) تُستخدمان في بلدها، وإن “وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي زادا حضور اللغات المحلية في البيئة الرقمية”. وتابعت: “بفضل تشات جي بي تي وإنستغرام ومنصات التواصل الاجتماعي الأخرى، بات بإمكاننا مشاركة محتوى بلغاتنا وترك أثر لها في البيئة الرقمية”. وأوضحت أن الشباب يدعمون لغة الولوف عبر نشر محتوى بها، بالتحدث أو بإنتاج أفلام، مشيرة إلى أنها صورت فيلماً بلغة الولوف عُرض في عدد من البلدان، قائلة: “الجميع يقوم بما يقع على عاتقه”.
وتُظهر تجارب هؤلاء الشباب الأفارقة أن مستقبل اللغات المحلية لا يتشكل داخل الأسرة وحدها، بل في المجال الرقمي الممتد من وسائل التواصل الاجتماعي إلى الذكاء الاصطناعي أيضاً.






