الرئيسيةعربي و عالميهل يقترب زمن انتهاء سيطرة أمراء...
عربي و عالمي

هل يقترب زمن انتهاء سيطرة أمراء الحرب على لبنان؟

29/06/2026 09:00

عندما يصف أحد القادة اللبنانيين البارزين، وهو محامٍ يحمل مسؤولية تشريعية منذ أكثر من ثلاثين عاماً، الاتفاق بأنه “فتنة”، يطرح المواطن اللبناني سؤالاً مشروعاً: إذا كان هذا الاتجاه يُعد فتنة فماذا يمكن أن يُسمى السلام؟ وإذا كان استعادة الدولة لقرارها السيادي يُعتبر فتنة فماذا نطلق على العقود التي عاش فيها البلد رهينة المحاور والسلاح غير الشرعي والحروب المتكررة التي استنزفت أرواحاً وأموالاً ومعيشة الناس؟

إعادة تقييم مسار السلام وتنفيذه

يذكر هذا المحامي، أكثر من سواه، القاعدة القانونية التي تنص على أن من يرغب في كسب دعوى يجب أن يفوز في مرحلتين: أولًا عند issuance of the judgment، وثانيًا عند تنفيذه. فهل يسعى مرة أخرى إلى إعاقة التنفيذ ليبقى القرار مجرد حبر على ورق irrespective of its importance؟

إن كان الحكم الذي ينهي الصراع اللبناني‑الإسرائيلي قد صدر سياسيًا، فإن تنفيذه قد عُرقِل مرارًا، وخصوصًا بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000. тогда نجح “الثنائي” الذي هيمن على الحياة السياسية والأمنية في لبنان، بدعم من رعاته الإقليميين في دمشق وطهران، في منع الانتقال من زمن الحرب إلى زمن الدولة. Consequently، بقي الصراع مستمرًا رغم زوال أسبابه الأصلية، وظلت الساحة اللبنانية مفتوحة ومعلقة بين الحروب والتسويات.

اليوم يبدو أن المعركة الحقيقية ليست حول صدور الحكم بل حول تنفيذه. هناك من يدرك أن تطبيق هذا المسار حتى نهايته لا يعني فقط إنهاء نزاع عمره عقود، بل يعني أيضًا نهاية النظام السياسي والأمني الذي استمد جزءًا كبيرًا من نفوذه وشرعيته من هذا النزاع.

دور الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق الاستقرار

من هنا تكتسب التطورات التي انطلقت من واشنطن أهمية استثنائية. فالمسألة لم تعد تقتصر على ترتيبات أمنية أو حدودية، بل أصبحت إعادة طرح سؤال تجنبه لبنان لعقود: هل تكون الدولة هي صاحبة القرار النهائي أم تظل السلطة الفعلية موزعة بين مؤسسات رسمية وأمراء حرب وقوى مرتبطة بمحاور إقليمية؟

ما حدث في واشنطن ليس مجرد تفاهم عادي أو اتفاق تقني بين دولتين؛ قد يكون بداية تحول كبير في مسار بلد عاش لعقود أسيرًا للحروب والصراعات والمحاور الإقليمية، يسعى لتحقيق مصالح شخصية وفئوية. لبنان الذي بدأ يفقد تدريجيًا سيطرته على قراره الوطني منذ اتفاق القاهرة عام 1969، ثم دخل في دوامة الحروب الأهلية والوصايات والصراعات المفتوحة، يجد نفسه اليوم أمام فرصة نادرة لاستعادة مفهوم الدولة الذي تآكل على مدى أكثر من نصف قرن.

لكن نجاح هذه الفرصة يعتمد أولاً على جدية الولايات المتحدة في استكمال ما بدأته. فاللبنانيون يملكون أسبابًا كثيرة للحذر. في عام 1958 أسطول واشنطن وصل إلى لبنان في لحظة مفصلية ثم غادرت عندما اعتقدت أن مهمتها انتهت. وفي عام 1983 دعمت بأساطيلها مشروعًا كبيرًا لإعادة بناء الدولة اللبنانية ثم انسحبت بعد تفجير قوات المارينز، تاركة لبنان لموازين القوى التي حكمت المنطقة لعقود تالية. لذا يظل السؤال المشروع: هل تعلمت الولايات المتحدة من تجارب الماضي؟ وهل ستبقى هذه المرة حتى النهاية لضمان ولادة استقرار حقيقي، أم ستكتفي بإدارة مرحلة عابرة ثم تترك اللبنانيين لمصيرهم مجددًا؟

وفي المقابل، فإن أي مشروع استقرار لا يمكن أن ينجح إذا لم يُترجم إلى التزام فعلي من إسرائيل بمنطق السلام. المنطقة دفعت أثمانًا باهظة نتيجة الحروب المتكررة، ولم يعد ممكنًا بناء مستقبل مختلف إذا بقيت لغة القوة العسكرية تتقدم على لغة التسويات السياسية. لذلك فإن الدور الأمريكي لا يقتصر على رعاية الاتفاقات فقط، بل يفترض أن يشمل ضمان تنفيذها وإلزام جميع الأطراف باحترامها. فكما أن على لبنان أن يستعيد دولته، على إسرائيل أن تثبت أنها تريد سلامًا دائمًا لا هدنة مؤقتة، وأن تترجم ذلك بالانسحاب من أي نقاط متبقية موضع نزاع ووقف منطق إدارة الصراع بالقوة العسكرية.

سيادة الدولة وحصر السلاح

لكن النقطة الأكثر أهمية بالنسبة للبنان تبقى استعادة الدولة لقرارها السيادي. جوهر الأزمة اللبنانية لم يكن يومًا في الحدود فقط، بل في وجود أكثر من مركز قرار داخل الدولة الواحدة. ولا يمكن الحديث عن سيادة فعلية فيما قرار الحرب والسلم لا تحتكره المؤسسات الشرعية وحدها. الجميع يدرك أن السلاح الموجود خارج إطار الدولة اللبنانية ارتبط طوال سنوات طويلة بحسابات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية، وأن القرار النهائي في قضايا مصيرية كثيرة لم يكن يصدر دائمًا من بيروت. لذلك فإن أي مسار جدي لإنقاذ لبنان يجب أن يقود في النهاية إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها، بحيث يصبح الجيش اللبناني والمؤسسات الشرعية المرجعية الوحيدة لكل ما يتعلق بالأمن والدفاع والسياسة الوطنية.

إذا كانت واشنطن قد قررت هذه المرة الذهاب إلى نهاية الطريق، فإن عليها أن تدرك أيضًا أن معالجة هذه المسألة لا تقتصر على بيروت. فالجميع يعلم أن القرار الاستراتيجي للقوة المسلحة الأكبر خارج الدولة اللبنانية لم يكن في جوهره قرارًا لبنانيًا خالصًا، بل جزء من منظومة إقليمية تقودها طهران. لذلك، فإن أي تسوية مستدامة تتطلب ضغطًا جديًا ومباشرًا على إيران، ليس بهدف صناعة مواجهة جديدة، بل بإنهاء حالة الاستثناء اللبنانية وإعادة القرار اللبناني إلى مؤسساته الدستورية.

بعد الأمن: أبعاد اقتصادية وفلسطينية

غير أن حصر النقاش بالشق الأمني وحده يفوت على اللبنانيين رؤية الصورة الأكبر. فما يُعاد رسمه اليوم لا يقتصر على ترتيبات حدودية أو أمنية، بل يشمل الخريطة الاقتصادية لشرق المتوسط خلال العقود المقبلة. فالمنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها الطاقة والغاز وممرات التجارة والاستثمار ومشاريع الربط البري والبحري. ولبنان، إذا استعاد استقراره، يمتلك موقعًا جغرافيًا يؤهله ليكون جزءًا أساسيًا من هذه التحولات بدل أن يبقى على هامشها.

كذلك لا يمكن تجاهل أن بعض دول الجوار، مهما تبدلت الظروف السياسية، تبقى بحاجة إلى منافذ طبيعية على البحر المتوسط، وأن المرافئ اللبنانية قادرة على استعادة دورها التاريخي كبوابة اقتصادية للمنطقة بأسرها. ومن هنا فإن استقرار لبنان لم يعد مجرد مطلب لبناني داخلي، بل أصبح جزءًا من شبكة مصالح اقتصادية إقليمية واسعة يمكن أن تغيّر وجه المنطقة خلال السنوات القادمة. لذلك، فإن السلام ليس شعارًا سياسيًا فحسب، بل شرط أساسي لازدهار اقتصادي ينتظره ملايين الناس من بيروت إلى بغداد ومن دمشق إلى الخليج.

وفي السياق نفسه، لا يمكن بناء سلام دائم من دون معالجة عادلة للقضية الفلسطينية. وعندما يحصل الفلسطينيون على حقوقهم المشروعة، وفقًا لحل الدولتين، ستفقد كثير من القوى التي بنت نفوذها على استثمار هذه القضية إحدى أهم أوراقها السياسية والأيديولوجية. وعندها يصبح الحديث عن الدولة والسيادة والتنمية أكثر واقعية من الحديث عن الساحات المفتوحة والمحاور العابرة للحدود.

لهذا السبب، فإن ما يجري اليوم لا ينبغي النظر إليه بوصفه انتصارًا لفريق على آخر، ولا لمحور على محور، ولا لطائفة على أخرى. الرهان الحقيقي هو على انتصار فكرة الدولة نفسها بعد عقود طويلة من تراجعها. دولة تحتكر السلاح، وتدير علاقاتها الخارجية من خلال مؤسساتها، وتضع مصالح مواطنيها فوق مصالح المحاور الإقليمية.

ويبقى الأمل أن تكون واشنطن قد تعلمت من دروس 1958 و1983 و2005، وأن تدرك أن ترك لبنان في منتصف الطريق كان دائمًا وصفة لأزمات أكبر. فإذا التزمت هذه المرة حتى النهاية، وألزمت إسرائيل فعلاً بخيار السلام، وضغطت في الوقت نفسه لمعالجة جذور المشكلة الإقليمية لا أعراضها فقط، فقد يكون ما بدأ في واشنطن أكثر من مجرد اتفاق. قد يكون بداية نهاية زمن أمراء الحرب، وبداية عودة لبنان إلى نفسه دولةً طبيعية بين دول العالم.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *