الكاتب أحمد السماري يوضح تجربة ترك كتابه في معرض أبوظبي

من العزلة إلى الزحام: مسار الكتابة
تبدأ الكتابة في عزلة شبه تامّة، حيث يعيش الكاتب مع شخصياته ويبني مصائرها، يهدم ويعيد البناء، يتقدم صفحة ثم يتراجع صفحتين. بعد أشهر من هذا الانفراد، يجد كل ذلك موضوعًا على طامه أمامه، ويأتي شخص غريب يطلب نسخة ببساطة. في تلك اللحظة soltanto يشعر أن الكتاب قد نجا منه.
لحظة التوقيع وتخلي الكاتب عن سلطته
في أبوظبي، كان تركيزي ليس على مجرد عرض للكتب، بل على ما يحدث للكتب بعد أن تفارق أيدي مؤلفيها. شاهدت كتابًا يُقلَّب على مهل، وقارئًا يعيد وضع الرواية في مكانها ثم يعود إليها بعد مشي قليل، وكاتبًا يضع إهداءً لشخص يلتقيه لأول مرة، وصديقين يلتقيان مصادفة بين جناحين، وحديث يبدأ بسؤال عن عنوان ثم ينتهي بعد نصف ساعة في مكان بعيد عن ذلك العنوان. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع المعارض في الذاكرة.
ذكريات المعرض وما بعده
في اليوم الأخير تغير شعوري بالمكان؛ الأجنحة والكتب والممرات نفسها بدت أقرب، ربما لأننا عندما نعلم أننا سنغادر مكانًا نبدأ رؤيته بشكل أوضح. مشيت بين الكتب بلا خطة. توقفت حيث جذبني عنوان، حضرت بعض الفعاليات، اشتريت كتبًا لن أعرف قيمتها إلا بعد العودة، وتحدثت أحيانًا مطولاً وأحيانًا بشكل مختصر مع أصدقاء وزوار. كان في حركة الناس ما يوحي بأن الجميع يسعى لاستخراج شيء إضافي من الساعات الأخيرة: كتاب، لقاء، صورة، أو حتى جولة أخيرة. ثم جاء لحظة الخروج؛ خرجنا من أبواب المعرض ولم يكن معي “الأديب الضّليل”، بل بقي على الرف. كانت تلك الصورة، ببساطتها، أكثر ما بقي معي من الرحلة. نؤلف الكتب ثم نعتقد أننا نحملها إلى المعارض، بينما الواقع أنها هي التي تحملنا. تأخذنا إلى مدن ربما لم نكن سنذهب إليها في ذلك الوقت، وتجلسنا إلى أشخاص لم نكن سنلتقيهم، وتفتح لنا أبواب حوارات وصداقات وذكريات. وبعد ذلك تتركنا في المطار ونعود وحيدين، بينما تستمر هي في مسارها. لهذا كان تقديري لمنشورات رامينا وفريقها يفوق مجرد شكر ناشر على طباعة؛ فقد أحسنوا مرافقة الرواية من المخطط إلى الغلاف، ثم من الغلاف إلى الرف، وأعدوا لها اللحظة التي ينتظرها كل كتاب: لقاء أول قارئ. وعندما عدت من أبوظبي وجدت نفسي محملًا بعدد كبير من الكتب والإهداءات والصور والوجوه والأحاديث التي ستحتاج وقتًا لتستقر في الذاكرة. فقط روايتي بقيت خلفًا؛ تركتها هناك لتسير في الدرب الذي كتبتها لأجله. الكتب، حين تُنشر، لا تعود إلى أصحابنا. نحن نؤلفها حتى تصل إلى الباب، ثم نفتحهُ لها… ومن هناك تنطلق رحلتها المجهولة النهاية.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



