الرئيسيةعربي و عالميقوةً متجسدةً بين السلاح والطاقة الاجتماعية...
عربي و عالمي

قوةً متجسدةً بين السلاح والطاقة الاجتماعية في تحليل برتران بادي الجديد

20/06/2026 07:00

يُشير المؤلف برتران بادي إلى أن التوتر المتصاعد بين القوة التي أُعيد تصورها بصورة ساذجة وبين ما يسميه “الطاقة الاجتماعية” المتصاعدة، يُعد الخيط الواصل لكتابه الأخير، وهو ما يُشكِّل جوهر اللغز الذي يميز الواقع الجديد (ص16). هذه “القوة اليتيمة” التي فقدت أُسسها التقليدية – مثل النظام والشرعية – تحولت إلى كيان منفرد هائم لا يتقيد بالقواعد القديمة، ما يمنحها القدرة على الإضرار والدمار، لكنها تبقى عاجزة عن إرساء حل أو نظام بديل.

إعادة قراءة المشهد السياسي بأدوات سوسيولوجية

تكمن قيمة الإصدار الجديد لبادي في طريقة تفكيكه للواقع السياسي العالمي عبر منظومة سوسيولوجية تمسك بالمحركات الاجتماعية الجديدة التي تشكِّل حياة الدول. يسلط الضوء على تداخل الديناميات الاجتماعية والسياسية، وتقاطعاتها المتشابكة، مع إشارة إلى أن ظواهر العولمة، ثورة الاتصالات، ارتفاع مستويات التعليم، وتزايد التداخل بين المجالين السياسي والاجتماعي، إلى جانب ظاهرة التكاملية، تتعارض مع المفهوم التقليدي للسلطة الذي كان يعتنق فكرة أن القوي هو المنتصر الدائم القادر على فرض إرادته.

في ظل هذه المتغيرات، تُصبح “الطاقة الاجتماعية” المستقاة من الحداثة – بأشكالها المتنوعة من الانتفاضات إلى الغضب – عاملاً نسبياً يخلّف استقراراً استراتيجيًا، يربك الخطط، ويتحدى الحاكم، ويعيد تشكيل الأحداث. تكمن المشكلة في استمرار الاعتماد على “أدوات وقواعد” من فترات سابقة لم تعد صالحة لعالم اليوم المتشابك، ولا لتحديات القرن الحادي والعشرين. ففي عالم معاصر يمكن للسلطة أن تفوز في المعارك الميدانية، لكنها لا تضمن نصرًا سياسيًا حقيقيًا أو استقرارًا دائمًا.

أمثلة تاريخية توضح فشل القوة التقليدية

يستشهد بادي بأمثلة من تاريخ الاستعمار الفرنسي في الجزائر عام 1957، وتدخل الولايات المتحدة في كمبوديا بين 1969 و1973، والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، ليظهر أن القوة المفرطة لا تقضي على الحركات الاجتماعية، بل قد تزيد من جاذبيتها وقدرتها على التجنيد.

«التوعية النقدية» كقوة اجتماعية ناشئة

يعتمد بادي على مفهوم “تنمية الوعي النقدي” (Conscientisation) الذي صاغه الفيلسوف البرازيلي باولو فريري، موضحًا أن الحروب والأزمات، وإن كانت تدمر البنى المادية، تُسهم في رفع مستوى وعي الشعوب بواقعهم وموازين القوة، فتُنشئ طاقة اجتماعية جديدة لا تستطيع القوة العسكرية كبحها. يذكر الكاتب حالات من هاييتي إلى بورما، والكونغو، والسودان، والقرن الأفريقي، واليمن، حيث أدت الصراعات إلى نقص غذائي، وكوليرا، وسوء تغذية، ما أدى إلى طلبات إنسانية هائلة – نصف سكان السودان احتاج إلى مساعدات بنهاية 2024، إلى جانب 26 مليون في القرن الأفريقي و21 مليون في اليمن – في ظل عدم قدرة المنظمات الدولية على الاستجابة إلا للجزء القليل من هذه المطالب.

وبالتالي لا تُصبح الأضرار مجرد آثار جانبية، بل تتحول إلى إعادة تشكيل شاملة للمجتمعات، حيث تتغير البنى الاجتماعية والهويات والمعتقدات بعمق، ما يولد سيولة اجتماعية لا يمكن استيعابها ضمن الأطر السياسية التقليدية (ص44). تصبح الحرب، على عكس ما كان سائدًا في الماضي، حالة دائمة تُرافق المجتمعات المتفككة، وتنتقل صراعاتها من ميدان “السياسة” إلى ميدان “الوجود الاجتماعي”.

إعادة تقييم التحالفات والدبلوماسية

ينتقل بادي إلى فحص فشل القوة في الميدان الدبلوماسي، مستعرضًا نماذج من التحالفات المتعددة: التحالف البراغماتي (L’alliance pragmatique)، التحالف المحافظ (L’alliance conservatrice)، التحالف الأمني (L’alliance sécuritaire)، وتحالف المعسكرات (L’alliance campsite). يخلص إلى أن القوى العظمى تفضِّل “التحالفات الوظيفية” على التحالفات العسكرية الشاملة لتقليل الأعباء المالية والسياسية، مستندة إلى تبعية متبادلة تربط الدول اقتصاديًا وتقنيًا وجيوسياسيًا، لتأمين الأمن دون الحاجة إلى التزامات دفاعية مكلفة كما كان الحال في فترات سابقة (ص68).

ويشير إلى أن القوة اليوم تُستَخدم بوفرة في مختلف المناسبات، لكنها تعاني من أزمة حادة في الفاعلية؛ فبينما تظل تُثير الرهبة بقدرتها التدميرية، تفتقر إلى البساطة والنتائج المتوقعة التي ميزت سابقتها. يتساءل بادي عن السبب في تراجع انتصارات القوي وتزايد صمود الضعفاء، ويُعيد طرح سؤال حول ما إذا كانت النيوليبرالية التي احتلت الساحة في أواخر القرن العشرين قد أدت إلى إشعال ثورات متعددة، فتحدت الهيمنة القديمة وأعاقت الازدهار الذي وعدت به مدرسة شيكاغو الاقتصادية.

النوستالجيا الشعبية وإعادة صياغة مفهوم القوة

في الجزء الثاني من مؤلفه، يصف بادي ظاهرة النوستالجيا المتجسدة في سلوكيات شعبية معاصرة ثلاثة: أولًا، اعتقاد أن الأنظمة والقواعد المعيارية للشعبوية تمثل العلاج لكل أزمات الحاضر؛ ثانيًا، افتراض أن الحماية الأمنية والهوية هي مسؤولية الدولة القوية في ظل المآسي المتلاحقة؛ ثالثًا، الدعوة إلى استعادة المكانة المتدنية في ترتيب النظام الدولي الجديد. يلاحظ أن هذا الخطاب يُستَغل من قبل شخصيات مثل ماريان لوبان في فرنسا، فيكتور أوربان في المجر، وخافيير ميلي في الأرجنتين، لتوفيق “القومية” مع “العالم” المتعدد التحديات.

ويخلص إلى أن القوة باتت تُستَخدم كغاية في حد ذاتها، منفصلة عن القيم والقوانين التي كانت تُحدِّد مسارها، وأنها اليوم تميل إلى رد الفعل أكثر من التخطيط الاستراتيجي للمستقبل (ص111).

تأثير الفيض الاجتماعي على سيادة الدولة

يُظهر التحليل كيف أن الاختراق الاجتماعي للدولة وقدرتها على إرباك صانعي القرار تُجبرهم على التعامل مع طلبات لا يملكون دومًا القدرة على تلبيتها، ما يدفعهم أحيانًا إلى خوض صراعات غير ضرورية، وهو ما يؤدي إلى تآكل مفهوم السيادة التقليدي. لم تعد الدولة كيانًا مغلقًا يتحكم حصريًا في حدودها وتدفق المعلومات؛ بل أدى هذا “الفيض الاجتماعي” إلى إظهار هشاشة القوة، رغم ظهورها أحيانًا بصورة أكثر عنفًا أو استعراضًا.

وتستمر الجيوش الكبيرة – مثل روسيا، الولايات المتحدة، وإسرائيل – في امتلاك القدرة على التدمير والقتل، لكنها فقدت القدرة على بناء نظام سياسي مستدام أو تحقيق استقرار دائم، في ظل ضعف الدبلوماسية الرسمية في تقديم حلول واقعية.

وعلى الرغم من أن الخطط الاستراتيجية للدول قد تضل مسارها وتواجه تحديات مستمرة، إلا أن الفعل الاجتماعي أصبح يضاهي القوة في القدرة على الإرباك أكثر من البناء. تُظهر الطاقات الناشئة من المجتمعات قدرًا كبيرًا من الإيقاظ والتنبيه، متجاوزة الأطر التقليدية، ما يجعل استراتيجيات المقاومة، والتحرر، وتفتت المشهد السياسي أكثر بروزًا وتأثيرًا على إيقاع العلاقات الدولية، وتُضعف قيمة المؤسسات التقليدية.

وتُظهر الفصول الأخيرة من الكتاب – خاصة الفصل الثامن الذي يتناول “الغضب كقوة صاعدة في الساحة الدولية” – كيف أن التحول السيبراني للغضب يُصبح غير قابل للإدارة، مع مخاطر الانزلاق إلى الشعبوية وتبسيط القضايا. يربط بادي بين هذا التحول وانتشار المعاناة الاجتماعية على الصعيد الدولي كما في الفصل السابع.

في الختام، يرسم بادي صورة شاملة لقوةٍ وحربٍ تتجاوز حدود الدولة التقليدية، حيث تتقاطع مصالح “الطاقة الاجتماعية” مع سياسات الدول، وتُحوِّل المشاعر الفردية إلى محركات رئيسية في العلاقات الدولية، ما يجعل الأزمات غير قابلة للحل عبر القوة العسكرية وحدها. ويشير إلى أن هذا التحول ينعكس في رأي الجمهور العالمي، حيث أظهر مسح لمركز “بيو” للأبحاث في 3 يونيو 2025 أن الأغلبية في أوروبا تعارض سياسات إسرائيل، حتى في دول ذات حكومات داعمة، مثل ألمانيا (64% معارضة) والمجر (53% معارضة). كما أظهر أن الأرجنتين (46% معارضة) رغم مواقف رئيسها، وهولندا تحولت من أقوى مؤيد لإسرائيل إلى أكثر معارض لها (78% معارضة) (ص171-172).

يبقى السؤال الأبرز ما إذا كان الاعتماد على التعاطف والقيم العالمية سيؤدي إلى إنقاذ العالم من القوى التدميرية للدول، أم أن الصراعات الاجتماعية المتصاعدة ستستمر في استنزاف الموارد دون أن تُحل بالسلاح وحده.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *