محمد سبيلا: بين تأييد للحداثة وانتقاد لها

الحداثة في فكر محمد سبيلا: بعدين تاريخي وفلسفي
ينبع سؤال الإصلاح من محاولات إخراج المجتمعات العربية من حالة التأخر التاريخي، وكل مشروع فكري اعتمد على منهجية وشبكة مفاهيمية محددة، مما أنتج فكرًا عربيًا معاصرًا يتميز بالاختلاف والتنوع والتباين في الآراء والرؤى. تيار أول سعى للإصلاح من خلال التمسك بإرث الأسلاف وصون أمجاد الأجداد؛ وتيار ثان دعا إلى النهضة عبر القطيعة الكاملة مع التراث المادي والقيمي والانغماس في الحداثة الغربية بوصفها كتلة واحدة؛ وتيار ثالث اتبع مسارًا متوسطًا اختار فيه ما يناسبه من التراث العربي الإسلامي ومن استنتاجات السردية الغربية من القرن السادس عشر إلى حدود القرن التاسع عشر، hoping to overcome civilizational crisis and historical catastrophe.
ينتمي المفكر المغربي محمد سبيلا (1942‑2021) إلى الجيل الثالث من المفكرين العرب الذين سعوا لبناء مشروع إصلاحي يرتكز على التمسك بالحداثة، باعتبارها نظامًا فكريًا تشكل ملامحه خلال القرن السادس عشر في أوروبا عبر سلسلة من الثورات النوعية: ثورة علمية بفضل اكتشافات كوبرنيكوس وغاليليو بعد overturning the Ptolemaic worldview؛ ثورة اقتصادية وسياسية عبر تشكيل الفكر الليبرالي في مراحله الأربع التي واجهت الذهنية الإقطاعية وأسهمت في إقامة اقتصاد متين؛ وثورة ثقافية وجغرافية وإصلاحية دينية عميقة، حتى assimilated the individual الأوروبي هذه التحولات وأصبح واعيًا بها خلال القرن الثامنون (عصر التنوير).
وفي سياق تمسكه بالحداثة التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأوروبا وتتميز بكونيتها، لا يستسهل سبيلا إطلاقًا القطيعة مع التراث، ويرى أن الانفكاك عنه ليس سهلًا، وربما يعود ذلك إلى اعتقاده المستمر بأن التراث “يسكننا ويسكن مخيلتنا ولغتنا وهمومنا ووجداننا. هو اللفافة التي تلفنا وتلون لون العالم بالنسبة لنا. كل نهضة وحركة لا بد أن تمر عبر التراث” (الشرط الحداثي، 2021، ص22). وعلى الرغم من مواجهته لمنادى بالتخلص من التراث وطي صفحته، إلا أنه لا يعتقد أن للتراث قدرة على بلورة الحداثة، ويعده عاجزًا عن قيادة العرب إلى مسار أسهل لاحتضان النهضة المنشودة؛ ومن هنا يتضح أن الحداثة، في تقديره، تحمل إطارًا معرفيًا – ابستميًا مرتبطًا بالبيئة الأوروبية، وبالتالي لا يمكن نقلها إلى سياق آخر أو ربطها بغيره (ص22). هذه الثنائية تظهر في أسلوبه المتكرر: أحيانًا يمدح الحداثة الأوروبية ويحيي ثوراتها، وفي أحيان أخرى ينتقد نتائجها ويلوم مجموعة من الطروحات التي تدافع عنها.
تمييز معنيين للحداثة وتعدد تجلياتها
يفرق سبيلا بين معنيين للحداثة: الأول تاريخي صرف والثاني ذو حمولة فلسفية خالصة (مدارات الحداثة، 2009، ص236). الحداثة في بعديها التاريخي هي مجموع التحولات الشاملة التي مست ميدان التقنية، والتنظيم، والفكر، التي شهدتها أوروبا ابتداءً من القرن التاسع عشر، حيث شهد ذلك القرن ثورة صناعية ضخمة لم تكن لتتحقق دون العلم الحديث، وهذا العلم لم يكن لينشأ دون الليبرالية التي أنهت الإقطاع، وقتلت الفكر الغيبي، وحللت الذهنية الاستهلاكية، وجعلت العبيد obsolete، ممهدة الطريق لعصر جديد عنوانه الحرية والاستقلالية (العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، ط6، 2002، ص149). بينما الحداثة في معناها الفلسفي هي مجموعة من القيم والمعايير التي نتجت عن تلك التغيرات الجوهرية، مما أدى إلى ظهور رؤية جديدة وحديثة “للطبيعة والتاريخ والمجتمع”، ومن هنا تقدمت الأمم الأوروبية بخطى واثقة نحو التقدم والكمال، مبتعدة عن دول العالم الثالث التي عانت من التخلف والتأخر التاريخي.
من خلال تفكيكه لمنظومة الحداثة، توصل سبيلا إلى وجود حداثات متعددة: أولها الحداثة التقنية، التي تقوم على “استحداث التقنيات والآليات المختلفة واستخدامها”; ثانيًا، الحداثة الاقتصادية التي تتجلى في emergence of a modern model, السوق، من خلال “الانتقال من الإنتاج اليدوي المحدود والاكتفائي إلى الإنتاج الآلي والمعقلن” (مدارات الحداثة، ص238)؛ ثالثًا، الحداثة الاجتماعية التي أدت إلى تحول المجتمعات من العصبية القبلية وعلاقات الدم والملح إلى مجتمعات حديثة تبني روابطها على المصلحة العامة والمنفعة المتبادلة، حيث يحصل الفرد على مكانته الاجتماعية من “الموقع الاجتماعي” وليس من العرف أو الأصول كما كان سائدًا قبل عصر النهضة.
إسهامات أكاديمية وترجمية وجوائز
للمفكر محمد سبيلا فضائل عديدة على الجامعة المغربية يصعب عدها وحصرها؛ ولعل أبرزها تعريفه برموز الفلسفة الغربية المعاصرة عبر ترجمة نصوصهم التي كان يختارها ويجمعها بعناية بالغة بالتعاون مع عبدالسلام بنعبد العالي في مشروع ترجمة sirvió الثقافة المغربية بشكل كبير (حقوق الإنسان، ما بعد الحداثة، الفلسفة الحديثة، اللغة… إلخ)، وقدمها للقراء المغاربة والعرب بلغة واضحة ودقيقة وسهلة الفهم، واحتضنتها دار توبقال المغربية التي حرصت على إيصالها إلى كل القارئ العربي.
ويظهر اهتمامه العميق بالفلسفة المعرفية من خلال إشرافه على باحثين درسوا فلاسفة عاشوا في القرن الماضي؛ على سبيل المثال لا الحصر: د. محمد الشيخ الذي عمل على “نقد الحداثة” عند نيتشه وهايدغر، كما غاص في النص الهيغيلي وأفرد له مؤلفًا “فلسفة الحداثة في فكر هيغل” ضمن ثلاثيته الذائعة والمهمة؛ ود. عادل حدجامي الذي تفكك متن الفيلسوف الفرنسي المعاصر جيل دولوز، جامعًا بين الفلسفة والأدب والسينما، وأثرى المكتبة العربية بعمل بعنوان “فلسفة جيل دولوز: عن الوجود والاختلاف” الذي نال جائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها السابعة عام 2013؛ ود. عبدالعلي معزوز الذي أصبح من المتخصصين في الجماليات والسينما ومدرسة فرانكفورت، تحديدًا في فلسفة ثيودور أدورنو، ونشر أطروحتهم التي حصل بها على الدكتوراه في كتاب بعنوان “جماليات الحداثة: أدورنو ومدرسة فرانكفورت” عام 2011.
كما اهتمت مجموعة من الباحثين العرب بمشروع أسهم في بروز وانتشار مجلتين بارزتين هما “المشروع” و”مدارات فلسفية”; ومن الدراسات التي اعتنت بمحتواها ورؤاها نجد عمل جماعي fruto de ندوة تكريمية للمنافح الألمع عن الحداثة في المغرب عام 2013 في جامعة الحسن الثاني – الدار البيضاء، وقد سمي الكتاب “في أفق الحداثة: قراءات في أعمال محمد سبيلا” ويتكون من 220 صفحة، بالإضافة إلى رسالتي ماجستير: الأولى نوقشت في جامعة قاصدي مرباح ورقلة عام 2022 من إعداد الباحثة مروة قويسم تحت عنوان “تأسيس الحداثة عند محمد سبيلا”، والثانية نوقشت وأجيزت في جامعة الحسن الثاني في نفس السنة وهي بعنوان “الشرط السياسي في فكر محمد سبيلا” للباحث طارق عزيزي، إلى جانب مقالات ودراسات بحثية رصينة وجدت طريقها إلى النشر في دوريات ومجلات محكمة انكبت على مضامين متنه الفكري، مثل الإشارات المهمة والدقيقة التي تضمنها الكتاب الجماعي المعنون “الفكر المغربي المعاصر: في الفلسفة، الدين، المجتمع، والثقافة” والصادر بالإنجليزية عن دار بريل للنشر في هولندا عام 2024، والممتد على 800 صفحة من القطع الكبير، وقد أشرف على إعداده وتنسيقه الباحث المغربي محمد حصحاص.
إرثه ومذكراته الحوارية ومؤلفاته
لا شك أن محمد سبيلا، مؤلف “الإيديولوجيا: نحو نظرة تكاملية” و”زمن العولمة” و”في تحولات المجتمع المغربي”، تقلد مهام علمية وبيداغوجية جسيمة تمثلت في انتسابه إلى الجامعة المغربية في فاس والرباط لما يزيد عن ثلاثة عقود، وأسهم في تكوين أجيال من الباحثين والمترجمين، وترأس عن اقتدار “الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة” ما بين عامي 1994 و2006، وقد خدم الدرس الفلسفي من خلال هذه المهمة سواء عندما كان أستاذًا في السلك الثانوي أو عندما ظفر بمنصب الأستاذية في الجامعة.
ترجل محمد سبيلا عن صهوة الحياة في صيف العام 2021، ونشرت سيرة حوارية له عن دار الفاصلة في طنجة في خواتيم العام 2021 بعنوان: “ذاكرة عبور”، وهي حوارات أجراها الإعلامي المغربي رشيد عفيف، وقد دبج لها المفكر عبدالإله بلقزيز تقديما باذخا ومثريا يليق بالراحل الذي أبحر ببراعة قل نظيرها في مباحث وحقول معرفية متباينة: الماركسية، التحليل النفسي (فرويد، إريك فروم، داريوش شايغان: الوجدانيات الروحية)، البنيوية، والإيديولوجيا؛ ولعل هذا الإبحار منبعه هو استشفاف أن هذه المباحث كلها تمثل، في نهاية المطاف، “ملامح نظرية تحديثية”، وتجسد في الآن نفسه “إرهاصات الاهتمام بأمر المعطيات الفكرية الحديثة” (الشرط الحداثي، ص7-8).
* باحث في الفلسفة من المغرب
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



