الأمين العام لمجلس التعاون يبرز الشراكة الخليجية الأوروبية كركيزة للأمن والازدهار

أكد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم محمد البديوي أن التعاون الاستراتيجي بين دول المجلس والاتحاد الأوروبي يشكل أساسًا متينًا لتعزيز الأمن والاستقرار والتنمية والازدهار المشترك، مشددًا على ضرورة نقل الحوار البرلماني الخليجي الأوروبي من مرحلة استعراض الفرص إلى مرحلة تحقيق مكاسب ملموسة تعود بالنفع على شعوب الطرفين وتعزز قدرتهما على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
الشراكة الاستراتيجية والأمن
في مستهل كلمته خلال الاجتماع الثاني لمجالس الشورى والنواب والوطني والأمة في دول المجلس والبرلمان الأوروبي، اليوم الجمعة، أعرب البديوي عن شكره وتقديره لرئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا لدعوتها الكريمة وحرصها على استمرار الحوار البرلماني الخليجي الأوروبي كمسار منتظم للتعاون والتشاور منذ انطلاقته الأولى في أبوظبي خلال يونيو 2025 باستضافة كريمة من المجلس الوطني الاتحادي بالإمارات.
وبشأن التطورات الأمنية في المنطقة، أوضح أن دول مجلس التعاون تعرضت لاعتداءات إيرانية غادرة استهدفت سيادتها وأمنها وهددت حرية الملاحة في مضيق هرمز، ما انعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة، وأكد أن رغم تلك الاعتداءات جعلت الدبلوماسية والحوار مسارًا ثابتًا في تعاملها مع هذه المستجدات، وبذلت جهودًا عديدة لخفض التصعيد ودعت إلى التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن رقم (2817).
وثمن موقف الاتحاد الأوروبي الذي أدان هذه الاعتداءات واستجاب بسرعة عبر عقد عدة اجتماعات خليجية أوروبية لتبادل وجهات النظر بشأن التصعيد وتقديم الدعم الفني الدفاعي اللازم، مؤكدًا أن هذه المواقف تعكس توافق الرؤى بين الجانبين حول أهمية العمل المتعدد الأطراف واحترام القانون الدولي.
كما أشاد البديوي بالموقف الواضح والصريح للبرلمان الأوروبي في إدانة الاعتداءات الإيرانية والتضامن مع دول المجلس، مستدلًا بما لمسه خلال إحاطته أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي في أبريل 2026 ولقاءاته مع عدد من المسؤولين الأوروبيين من مواقف داعمة لأمن وسيادة دول المجلس، معربًا عن تقدير واعتزاز دول المجلس لهذه المواقف.
التعاون الاقتصادي والطاقة
وفي سياق العلاقات الخليجية الأوروبية، أشار الأمين العام إلى البيان المشترك الصادر عن الاجتماع الأول لرؤساء مجالس الشورى والنواب والوطني والأمة بدول المجلس مع رئيسة البرلمان الأوروبي، الذي أكد متانة العلاقات والشراكة الاستراتيجية القائمة بين المجلس والاتحاد الأوروبي، وما تستند إليه من احترام متبادل وتعاون ومصالح مشتركة، بما يعزز الأمن والاستقرار والتنمية والازدهار لدى الجانبين.
وأكد أن العزم على عقد القمة الخليجية الأوروبية الثانية يجسد الحرص المشترك على ترسيخ هذه الشراكة وتعزيزها وتوسيع آفاقها، موضحًا أن البرلمانات تؤدي دورًا محوريًا في تحويل التفاهمات الحكومية إلى تشريعات وقرارات تنعكس مباشرة على حياة المواطنين ومصالحهم، وأبرز الأهمية المؤسسية للبرلمان الأوروبي كإحدى الأضلاع الرئيسية في اتخاذ القرارات وسن التشريعات داخل الاتحاد الأوروبي، إلى جانب مجلس الاتحاد والمفوضية، ما يمنح التعاون البرلماني الخليجي الأوروبي أهمية خاصة في دعم مسارات الشراكة الاستراتيجية.
وعن الجانب الاقتصادي، أوضح البديوي أن تجربة مجلس التعاون في التكامل الاقتصادي، بدءًا من الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة وصولًا إلى الربط الكهربائي ومجالات التعاون الأخرى، قامت على القناعة ذاتها التي استند إليها البناء الأوروبي، namely أن تشابك المصالح الاقتصادية والتنموية يشكل الضمانة الأقوى للاستقرار والاستدامة، وأكد أن العلاقات الاقتصادية بين المجلس والاتحاد الأوروبي تستند إلى قاعدة متينة تشهد تطورًا مستمرًا، حيث بلغ حجم التبادل التجاري في السلع بين الجانبين نحو 189 مليار دولار خلال عام 2025، فيما يعد الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر شريك تجاري لدول المجلس.
وشدد على أن هذا المستوى من التبادل التجاري، رغم أهميته، لا يزال دون الطموحات والإمكانات الاقتصادية المتاحة للجانبين، مجددًا حرص المجلس ورغبته في الدخول بمفاوضات تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي في أقرب وقت ممكن لفتح آفاق أوسع للتبادل التجاري والاستثمار والتكامل الاقتصادي.
وأضاف أن المجالس التشريعية الخليجية والبرلمان الأوروبي يمكن أن يؤديا دورًا مباشرًا ومؤثرًا في ثلاثة مجالات رئيسية: أولها التشريع والتنفيذ الاقتصادي، حيث أن العديد من مسارات الشراكة، بدءًا من المفاوضات التجارية وصولًا إلى التعاون القطاعي، ترتبط بالأطر التشريعية والتنظيمية، ودعم البرلمانات لهذه الأطر من شأنه اختصار سنوات من الانتظار وتسريع تنفيذ المبادرات والمشروعات المشتركة.
وفي مجال الطاقة، أكد أن دول المجلس أثبتت مكانتها باعتبارها موردًا موثوقًا للطاقة في أصعب الظروف، وتواصل في الوقت ذاته الاستثمار في الطاقة المتجددة والهيدروجين النظيف، مما يعزز دورها كشريك استراتيجي لأوروبا في ضمان أمن الطاقة حاليًا ودعم التحول في قطاع الطاقة مستقبلًا، كما أشار إلى أهمية مشروعات الربط والممرات الاقتصادية التي تتيح لدول المجلس والاتحاد الأوروبي فرصًا واسعة لتعزيز الترابط الاقتصادي والتجاري وتحويل المنطقة إلى جسر اقتصادي يربط آسيا بأوروبا.
وأعرب عن تطلعه إلى أن تكون أدوات الاستدامة الأوروبية، التي لا تزال قيد المراجعة، متناسبة مع طبيعة الشراكة الاقتصادية القائمة وألا تفرض أعباء وتكاليف إضافية على الشركاء الموثوقين أو على سلاسل الإمداد العالمية التي تواجه ضغوطًا وتحديات متزايدة.
الروابط البشرية والقضايا الإقليمية
وفي المجال المتعلق بالتواصل بين الشعوب، أوضح الأمين العام أن دول المجلس اتخذت خطوات مهمة لتيسير دخول المواطنين الأوروبيين إلى أراضيها، معربًا عن ترحيبه بالخطوات التي اتخذها الجانب الأوروبي لتسهيل سفر مواطني المجلس.
وأكد تطلع دول المجلس إلى البناء على هذه الخطوات وصولاً إلى إعفاء جميع مواطني المجلس من تأشيرة شنغن، بما يعزز التواصل الإنساني والاجتماعي والاقتصادي بين الجانبين ويسهم في توسيع فرص التعاون والتبادل، كما شدد على أهمية تعزيز التعاون في مجالات التعليم والبحث العلمي والثقافة والشباب، باعتبارها أساسية لبناء جسور التواصل بين المجتمعات وترسيخ الشراكة الخليجية الأوروبية لدى الأجيال المقبلة التي ستتولى مسؤولية تطويرها واستدامتها.
وفي المجال الثالث المتعلق بالأمن والاستقرار الإقليمي، أكد أن دول المجلس تنطلق في مواقفها تجاه القضايا الإقليمية والدولية، بما فيها التطورات في فلسطين ولبنان وسوريا والسودان، من مبادئ ثابتة تقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والالتزام بمبادئ حسن الجوار، وجدد التأكيد على موقف المجلس الثابت تجاه القضية الفلسطينية، مشددًا على أن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، في إطار حل الدولتين، تمثل الأساس لتحقيق الأمن والاستقرار المستدام في المنطقة.
وبخصوص الأزمة الروسية الأوكرانية، أكد أن موقف دول المجلس ثابت في دعم الحلول السلمية عبر الحوار والدبلوماسية، ورفض استخدام القوة وسيلة لتسوية النزاعات، مشيرًا إلى استمرار الجهود الإنسانية التي تبذلها دول المجلس، والتي أثمرت عن عمليات لتبادل الأسرى ولم شمل الأطفال بذويهم بين الجانبين الروسي والأوكراني.
وفي الشأن اليمني، جدد دعم دول المجلس للحكومة اليمنية الشرعية وجهودها الرامية إلى تعزيز وحدة الجمهورية اليمنية وسيادتها وأمنها واستقرارها، مؤكدًا أن أمن منطقة الخليج العربي يرتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وأن أي تهديد لهذه الممرات البحرية الحيوية يمتد تأثيره إلى الموانئ والأسواق الأوروبية وحركة التجارة الدولية، مثمنًا جهود الاتحاد الأوروبي من خلال عملية «أسبيدس» وما تضطلع به من دور في دعم أمن الملاحة البحرية في المنطقة.
وبخصوص الاعتداءات الحوثية على المملكة العربية السعودية، أعرب الأمين العام عن إدانته الشديدة للاعتداءات الحوثية الغادرة والمتكررة التي تعرضت لها المملكة خلال الأسابيع الماضية، والتي استهدفت مطارات ومنشآت مدنية ومناطق مأهولة بالسكان، وأسفرت عن سقوط وفيات وجرحى من المدنيين، وأن امتداد هذه الاعتداءات إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة يمثل استفزازًا صارخًا لمشاعر المسلمين في مختلف أنحاء العالم وتجاوزًا لكل الخطوط الحمراء وانتهاكًا للقيم والمبادئ الإنسانية والدينية والقانونية.
وأشار إلى الاعتداءات المتتالية التي تعرضت لها العاصمة الرياض خلال الأيام القليلة الماضية، وفي مقدمتها الاعتداء الحوثي الذي استهدف صالة المسافرين في مطار الملك خالد الدولي في العاشر من أكتوبر الجاري، وأسفر عن وفاة العشرات وإصابة المئات، من بينهم مواطنون ومقيمون ومعتمرون من جنسيات متعددة.
وأوضح أن هذه الاعتداءات لم تقتصر على مطار الملك خالد الدولي، بل امتدت إلى مطارات أخرى في المملكة، وأدت إلى تعليق العمليات في مطار العاصمة وتعطيل رحلات مئات الآلاف من المسافرين، ما يعكس خطورة هذه الأعمال الإرهابية على أمن وسلامة حركة الطيران المدني الدولي، مشددًا على أن الاستهداف المتكرر والمتعمد للمنشآت المدنية يكشف عن نهج إجرامي إرهابي، وأن استهداف المطارات المدنية لا يمثل اعتداء على المملكة وحدها، بل يشكل تهديدًا مباشرًا لكل مسافر، أيا كانت جنسيته، ولمنظومة الطيران المدني الدولي التي يعتمد عليها العالم، مؤكدًا أن هذه الاعتداءات تمثل تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وأن استهداف المدنيين والمنشآت المدنية والمقدسات يعد عملًا إرهابيًا لا يمكن تبريره تحت أي مبرر.
وأكد في الختام أن ما يجمع دول المجلس والاتحاد الأوروبي يتجاوز حدود الجغرافيا، ويستند إلى مصالح وقيم وتطلعات مشتركة، وأن أمن كل جانب يمثل امتدادًا لأمن الجانب الآخر، مما يستوجب مواصلة التنسيق والتعاون والعمل المشترك لمواجهة التحديات وتحقيق مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا.






