مدرسة أوقجو موسى في إسطنبول.. جدران تروي تاريخ قرنين من التبدلات

في قلب حي غالاطة التاريخي بإسطنبول، تقف مباني مدرسة أوقجو موسى الابتدائية شامخةً بعمر يمتد نحو قرنين، حاملةً في جدرانها ذاكرة تحولات متعاقبة. هذه المباني التي شهدت أدواراً مختلفة، من مساكن لرجال الدين ومدرسة للراهبات، إلى مركز للشرطة وسجن ودار للأيتام ومدرسة للخياطة، تستقر اليوم كمقرٍّ تعليمي يجمع بين عبق الماضي وطموح المستقبل.
وتأتي هذه الحلقة ضمن ملف وكالة الأناضول “مدارس عريقة”، لتسلط الضوء على تاريخ هذه المؤسسة التي تحمل اسم رئيس رماة السلطان العثماني محمد الفاتح.
مبانٍ تحمل إرثاً عمره قرنان
تضم المدرسة أربعة مبانٍ تاريخية شُيدت في أزمنة مختلفة، ورغم عدم توفر معلومات دقيقة عن تواريخ إنشائها، تشير التقديرات إلى أن جذورها تعود إلى خمسينيات القرن التاسع عشر. ووفق الروايات التاريخية، استُخدمت هذه المباني بدايةً كمساكن لرجال دين إنجليز، ثم تحولت لاحقاً إلى مدرسة للراهبات.
وبجوار المدرسة يقع مبنى “جمعية غالاطة”، الذي يُعتقد أن أصوله تعود إلى العهد الجنوي، مما يعكس العمق التاريخي للمنطقة المحيطة بالمدرسة.
تحولات متعاقبة: من سجن إلى دار للأيتام
خلال فترة احتلال إسطنبول عقب الحرب العالمية الأولى، شهدت مباني المدرسة تحولاً جذرياً، إذ استخدمتها القوات البريطانية مركزاً للشرطة وسجناً. وبعد انسحاب تلك القوات، تغيرت وظيفة المباني مجدداً، ففتحت أبوابها للأطفال المشردين، وأصبحت داراً للأيتام لفترة من الزمن. وفي مرحلة لاحقة، تحولت المباني إلى “مدرسة للخياطة”، لتستمر العملية التعليمية لكن في إطار مهني مختلف.
ثلاث مدارس تحت سقف واحد
بعد إغلاق مدرسة الخياطة، بدأت ثلاث مؤسسات تعليمية باستخدام هذه المباني التاريخية، وهي مدارس غالب دده الابتدائية، وكولديبي الابتدائية، وأوقجو موسى الابتدائية. وبعد فترة من التقاسم، اندمجت هذه المدارس تحت اسم مدرسة أوقجو موسى الابتدائية. وفي مرحلة لاحقة، تقاسمت المدرسة مبانيها مع مدرسة بيري رئيس الإعدادية.
واعتباراً من العام الدراسي 1968-1969، أصبحت المباني تستضيف مدرستي أوقجو موسى الابتدائية والإعدادية بنظام الفترتين الدراسيتين. ومع دمج المرحلتين في العام الدراسي 1988-1989، تحولت المؤسسة إلى “مدرسة التعليم الأساسي”، وحملت اسم مدرسة أوقجو موسى للتعليم الأساسي. وبعد إعادة تنظيم النظام التعليمي التركي بموجب القانون رقم 6287، وفصل المرحلتين الابتدائية والإعدادية، استعادت المدرسة اسمها الحالي اعتباراً من العام الدراسي 2013-2014. ومنذ ذلك الحين، تواصل نشاطها التعليمي بنظام الدوام الكامل.
وتخضع مباني المدرسة التاريخية للحماية كتراث ثقافي منذ عام 1993، في قلب حي غالاطة التاريخي، حيث تواصل رسالتها التعليمية وسط نسيج عمراني يحمل آثار قرون متعاقبة من تاريخ إسطنبول.
ذاكرة حية وتعليم معاصر
تقول مديرة المدرسة فيليز يلدز إن العمل داخل مبنى تاريخي يعود إلى نحو قرنين يمنحها شعوراً مختلفاً يتجاوز المسؤوليات المعتادة لإدارة مؤسسة تعليمية. وتوضح في حديث للأناضول أن المدرسة تحمل اسم أوقجو موسى، الذي يحمل اسمه أيضاً مسجد وأحد شوارع المنطقة. وتستعرض التحولات التي مرت بها المباني، من استخدامها مركزاً للشرطة وسجناً خلال الاحتلال البريطاني، إلى دار للأيتام ثم مدرسة للخياطة.
وتعمل يلدز في مهنة التعليم منذ 22 عاماً، وتتولى حالياً إدارة المدرسة الثامنة خلال مسيرتها المهنية. وتقول: “أن تكون داخل صرح حي يحمل ذاكرة تاريخية يحمّلك مشاعر مختلفة تتجاوز مجرد الإحساس بالمسؤولية”. وتضيف: “كل خطوة أخطوها هنا تذكرني بأن هذا المكان جزء من التاريخ، وأن آثاره حاضرة فيه من كل جانب”. وتتابع: “على الرغم من مرور نحو قرنين، لا تزال مدرستنا تحافظ على طابعها التاريخي وتواصل مسيرتها في هذا المكان”. وتؤكد يلدز أن الحفاظ على هذا الإرث ونقله إلى الأجيال المقبلة يمثلان مصدر فخر ومسؤولية كبيرة بالنسبة إليها.
ورغم الطابع التاريخي للمباني، تؤكد يلدز أن المدرسة تتطلع إلى إعداد جيل يمتلك المهارات اللازمة لمواكبة متطلبات العصر. وتقول إن المدرسة تعمل، في إطار “نموذج التربية والتعليم للقرن التركي”، على إعداد طلاب يمتلكون مهارات القرن الحادي والعشرين، وتشمل التفكير التحليلي والنقدي، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، والتواصل الفعال، بالإضافة إلى القدرة على التعامل مع التقنيات الرقمية والإنتاج. وترى أن موقع المدرسة في حي غالاطة التاريخي يمثل ميزة تعليمية إضافية، نظراً لما تزخر به المنطقة من معالم ثقافية وتاريخية. وتقول يلدز: “نهدف إلى إدماج المتاحف والمباني التاريخية والأماكن الفنية ومواقع التراث الثقافي الموجودة في محيطنا ضمن العملية التعليمية”. وتوضح أن هذه الخطوة تهدف إلى مساعدة الطلاب على التعرف إلى البيئة التي يعيشون فيها، والحفاظ على تراثهم الثقافي، واكتشاف القيم التي تتميز بها مدينتهم.
وبهذا، لا تقتصر العملية التعليمية في مدرسة أوقجو موسى على ما يتلقاه الطلاب داخل الصفوف، بل تمتد إلى محيطها التاريخي الذي يتحول بدوره إلى مساحة للتعلم واكتشاف الماضي. وتختصر يلدز هذه الرؤية بقولها: “نحن نستلهم من الماضي، ونمزج هذا الإلهام مع مفهوم التعليم المعاصر، لنُعد طلابنا للمستقبل بثقة”، مشددة على أن المدرسة تضع تنشئة الطلاب على القيم الإنسانية في مقدمة أهدافها التربوية.






