قبل إعلان نتائج واشنطن: كيف تقرأ المنطقة انتخابات الكونغرس؟

يكتب عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ من الرياض، وقبل أن تظهر نتائج الانتخابات الأمريكية، والسؤال الذي يستحوذ على تفكيره هو: أي معنى ستحمله تلك النتائج إلى منطقتنا؟ فالمواطن الأمريكي يذهب إلى صناديق الاقتراع لينتخب من يمثله في الكونغرس، غير أن ما يترتب على اختياره قد يمتد إلى بلدان لم تُدعَ إلى التصويت، وإلى شعوب تتحمل نتائج قرارات تُصاغ على مسافة منها؛ ولهذا نراقب ما يجري هذه الليلة انطلاقًا من موقع المصلحة.
ربما يقف الأمريكي أمام صندوق الاقتراع وذهنه مشغول بثمن البنزين وأعباء المعيشة، في حين يتابع المواطن العربي المشهد وهو يفكر في أمن بلده ومصير الحروب المحيطة به وقدرة أسرته على العيش بلا خوف. وعندما تكون الحرب مع إيران راسخة في حسابات الجانبين، فإن ما يدور داخل الولايات المتحدة يغدو مسألة تتجاوز حدودها.
حدود التأثير الأمريكي على المنطقة
إلا أن استيعاب هذا التأثير يقتضي أولًا إدراك حدوده؛ فالمعركة انتخابية لمقاعد الكونغرس، وحصيلتها لا تمسّ منصب الرئيس. قد يتغير حجم الرقابة على قراراته، وقد تزداد تعقيدًا مفاوضات التمويل والتشريعات، بيد أن السياسة الخارجية لا يُعاد صوغها كاملةً لمجرد أن الأغلبية انتقلت من حزب إلى آخر. من ثم لا يصح تحويل أرقام استطلاعات الرأي إلى حكم قاطع بحرب أو بسلام.
فإن حصل الديمقراطيون على أغلبية ذات وزن، فمن المرجح أن يتصاعد سؤال الإدارة عن كلفة الحرب وأهدافها وفرص وضع حد لها. لكن الضغط الداخلي وحده لا يكفي لضمان تسوية تراعي مصالح المنطقة؛ فالإدارة التي تعمل تحت ضغط قد تسعى إلى اتفاق متعجل، في حين نحتاج نحن إلى تفاهم يصمد ويعالج جذور الخطر ويمنع تكراره.
أما إذا حافظ الجمهوريون على أغلبيتهم، فقد يتفسح أمام الرئيس هامش أوسع للتحرك، وهذا لا يعني بحال أن التصعيد سيصير خياره المفروض؛ فثمن العمليات العسكرية وأسعار الطاقة وسلامة القوات والمصالح الأمريكية تظل جميعها بنودًا في حساباته. وقد تُستعمل القوة أداةً للدفع نحو التفاوض، كما قد يتعثر التفاوض نفسه رغم حرص الأطراف على تفادي مواجهة أشمل.
انطلاقًا من ذلك، لا أرى مصلحة عربية في منح شهادات الحرب أو السلام لأحد الحزبين سلفًا؛ فالذي يعنينا هو جوهر القرار ووقعه على أمن دولنا وحقوق شعوبنا. فمن يعزز الاستقرار فعلًا جدير بالتعاون، ومن يأتي بقرار يرفع منسوب المخاطر ينبغي أن يسمع موقفًا عربيًا صريحًا، أياً تكن الشعارات التي يغلّف بها قراره.
التفاوض والقوة في مشهد واحد
ويوضح المشهد القائم حجم هذه الحاجة؛ ففي عشية الانتخابات نفّذت واشنطن ضربات استهدفت جزيرة قشم، وصفها مسؤولون أمريكيون بأنها «دفاعية محدودة»، في وقت تتواصل فيه الوساطة القطرية بين واشنطن وطهران. هكذا يحضر التفاوض والعمل العسكري في التوقيت نفسه، ولا يمكن للمنطقة أن تبني أمنها على فرضية أن انتهاء الاقتراع كفيل بحل هذا التناقض من تلقاء نفسه.
المطلب العربي من أي تفاهم مع إيران
وأرى أن المطلب العربي ينبغي أن يكون صريحًا: كل تفاهم مع إيران يجب أن ينتهي إلى منطقة أكثر أمنًا. فلا يكفي أن تخف حدة المواجهة بين واشنطن وطهران ما دامت الميليشيات قادرة على ترويع الجوار، أو ما دامت الملاحة عرضة للابتزاز. كما لا يصح اختزال التسوية في ملف واحد وترك بقية مصادر الاضطراب مفتوحة.
والمعيار ذاته ينطبق على فلسطين واليمن ولبنان؛ فحماية المدنيين وحقوق الشعب الفلسطيني وسيادة الدول وإنهاء سلطة السلاح خارج مؤسسات الدولة قضايا ينبغي أن تظل حاضرة في أي نقاش عن الاستقرار. فلا تفاهم يتجاهل حقوق الناس يصنع أمنًا، ولا تسوية تتيح لمن يهدد الدول أن يحتفظ بأدوات تهديده تصنع استقرارًا.
المبادرة السعودية قبل معرفة الفائز
ومن هذا المنطلق أقرأ دلالة التحرك السعودي الهادف إلى خفض التصعيد، وزيارة الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع، إلى طهران، في إطار جهود دول اتفاقية مكة ودعم الوساطة القطرية والباكستانية. وهو عمل يجري قبل أن يُعرف الفائز في واشنطن، ودلالته فيما أرى أن صون مصالح المنطقة يبدأ بالمبادرة وبناء المواقف والتواصل مع الأطراف القادرة على التأثير.
فالعلاقة مع الولايات المتحدة ذات أهمية، لكن هذه الأهمية لا تعفينا من مسؤولية تحديد ما نريده منها: شراكات تحترم السيادة، وتعاون يحمي الاستقرار، ووضوح في التعاطي مع مصادر التهديد. وكلما كانت أولوياتنا محددة بدقة، صار الحوار مع أي أغلبية أمريكية أكثر جدية وأقل تأثرًا بتقلبات الخطاب الانتخابي.
أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد الدولي
وعلينا أيضًا أن نجيد شرح الصلة بين أمننا ومصالح العالم؛ فاضطراب الممرات البحرية يرفع كلفة التجارة، وقد تجاوز عدد الهجمات المبلّغ عنها على السفن في مضيق هرمز وخليج عُمان والخليج العربي ثلاثين هجومًا خلال شهر أكتوبر، وفق هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية. والخوف من اتساع رقعة الحرب يعرقل الاستثمار، وتقلب أسعار الطاقة يطال المستهلك الأمريكي نفسه؛ فما نحميه في منطقتنا مرتبط باستقرار الاقتصاد الدولي.
ستُعلن النتائج، وسيحتفل الفائزون، أما معيارنا فسيظل ثابتًا: ما الذي سيتغير في أمن المنطقة؟ نحن نحترم اختيار الأمريكيين، ونعمل مع مؤسساتهم، ونحكم على السياسات بأفعالها. ومستقبلنا يستحق أن نصنع له موضعًا في صناعة القرار، لا أن نكتفي بانتظار ما تلقيه إلينا نتائجه.






