ظاهرة 'تعفن الدماغي': أصلها، تأثيراتها وسبل المواجهة

ظاهرة 'تعفن الدماغي': أصلها، تأثيراتها وسبل المواجهة

أصل المصطلح وانتشاره

قبل قراءة المقال يُقدّم الكاتب مطلق كليب السبيعي اختبارًا بسيطًا يسأل عن صعوبة إتمام قراءة طويلة أو مشاهدة فيلم دون تفقد الهاتف، وعن إعادة قراءة السطر نفسه عدة مرات بسبب تشتّت الانتباه، وعن سرعة فقدان الأفكار أثناء الحديث أو العمل، وعن الشعور بالحاجة الملحة لتفقد الهاتف عندما يكون بعيدًا، وعن الساعات التي تقضى في تصفح المقاطع القصيرة بلا هدف، وعن الجذب نحو محتوى يُنتج شعورًا بالراحة مثل فيديوهات المكبس الهيدروليكي وتقطيع الصابون الناشف. إذا كانت الإجابة بنعم على أكثر من سؤال فإن القارئ معني بما يلي، وما يشعر به ليس حالة فردية بل مصطلح متداول عالميًا يُسمَّى “تعفن الدماغي”. لم يظهر هذا التعبير فجأة؛ فقد وجد أول مرة في كتاب “والدن” لهنري ديفيد ثورو عام 1854 كملاحظة أدبية عن سطحية المجتمع في ذلك الحين، وتحول اليوم إلى موضوع بحث في الجامعات ومختبرات التصوير الدماغي. في ديسمبر 2024 اختارت دار نشر جامعة أكسفورد مصطلح “تعفن الدماغي” ليكون كلمة العام بعد تصويت شارك فيه أكثر من سبعة وثلاثين ألف شخص، وعرّفتَه بأنه التدهور المفترض في الحالة الذهنية أو الفكرية نتيجة الإفراط في استهلاك محتوى تافه لا يستدعي جهدًا، ولاحظوا ارتفاع استخدام المصطلح بنسبة مئتين وثلاثين بالمئة خلال عام واحد.

آثار التعفن الدماغي على cognition والسلوك

المصطلح لم يبق مجرد كلمة شائعة؛ بل تحول إلى واقع يُلاحظ في المجالس وأماكن العمل، حيث يقتل الإبداع ويضعف التواصل الفعال بين الناس، وتصبح النقاشات مجرد تكرار بلا فائدة. وصل الحال إلى مرحلة يرفض فيها البعض الاستماع إلى أحاديث طويلة سواء مع الأصدقاء أو الأسرة لأن دماغهم قد استهلك بالكثير من المحتوى قبل أن يصلوا إلى تلك اللحظات. تحولت المجالس إلى عزلة جماعية؛ الناس يجلسون معًا لكن شاشاتهم تدور بين أيديهم أكثر من تدوير الفناجين، وكل شخص يكون في مكان آخر ذهنيًا. تأثر الحديث أيضًا ليصبح مائلًا للمواضيع السطحية والتسلية فقط، لأن العقل يمل بسرعة من المواضيع الهادفة. وانتقلت هذه الظاهرة إلى بيئة العمل التي لا tolerate أي انشغال للدماغ بغير المهام الوظيفية؛ الموظف الذي يقطع تركيزه كل دقيقتين لتفقد هاتفه يحتاج إلى وقت مضاعف لإنجاز ما كان ينجزه في نصفه، والاجتماع الذي تتوزع فيه العيون بين الطاولة والشاشات يخرج بقرارات ناقصة. من الناحية النفسية أبرز أثر هو تشتت الانتباه، مثل عدم القدرة على التركيز في كتاب أو محاضرة أو محادثة مدتها عشر دقائق دون تفقد الهاتف، وهو مؤشر يجب إدراكه وعدم تجاهله. أيضًا يظهر كسل التفكير، حيث يعتمد الناس على الذكاء الاصطناعي أو محركات البحث لصياغة أبسط الأفكار أو اتخاذ قرارات شخصية دون تشغيل العقل الفعلي.

طرق التخفيف والتعافي

هذه الملاحظات ليست انطباعات شخصية فقط؛ ففي سبتمبر 2025 نشرت الجمعية الأمريكية لعلم النفس مراجعة علمية جمعت سبعين دراسة وقرابة مئة ألف مشارك، وخرجت بنتيجة واحدة: الإكثار من المقاطع القصيرة يضر بالعقل، وأول ما يتأثر هو الانتباه ومقاومة المغريات. يفسّر الباحثون الإحساس بالإرهاق بعد تصفح الشاشة الطويلة بأنه ناتج عن تقطع المحتوى وليس طوله؛ ففي غضون ثلاثين ثانية ينتقل الدماغ من مضحك إلى مؤلم إلى وصفة طبخ، ولا يستطيع استيعاب هذا التبديل السريع، وبالتالي يدفع الثمن من تركيزه. الخوارزمية لا تظلم أحدًا؛ فهي تُظهر ما طلبه المستخدم، وصناع المحتوى يقرأون الطلب ويصنعون المزيد منه، والحل يبدأ من الفرد نفسه، وهذا هو الجانب الإيجابي لأن ما يبدأ منه يمكن أن يتوقف عنده. يجب الإنصاف بأن الدراسات تُظهر رابطًا بين شيئين ولا تُثبت علاقة سببية قاطعة؛ ربما يكون ضعف التركيز هو ما يدفع الشخص نحو المقاطع القصيرة وليس العكس. ومع ذلك فإن “الخبر الذي يطمئن” هو أن أغلب هذه الآثار يبدو قابلًا للتعافي؛ لا يوجد دليل على ضرر دائم في الدماغ، وكل ما يلزم هو تخفيف الاستخدام ليشعر الفرد بتحسن التركيز والنفسية. الأمر يتطلب انضباطًا في العادة اليومية أكثر مما يتطلب قلقًا على المصير. وأخيرًا فإن مصطلح “تعفن الدماغي” نشأ من الجيل ذاته الذي يسخر من حاله وكثرة وجوده على الإنترنت؛ والسخرية وحدها لا تُعالج المشكلة، بل يحتاج الأمر إلى قرار واعي. لمن يشك أنه داخل دائرة “تعفن الدماغي” ويريد تدارك الأمر، عليه العودة إلى الأسئلة التي افتتح بها المقال واختيار أحدها يبدأ بتحسينه هذا الأسبوع، وليكن أول مجلس هو نقطة البداية.

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *