صندوق النقد الدولي يشيد بمرونة الاقتصاد السعودي رغم اضطرابات الطاقة والتجارة

صندوق النقد الدولي يشيد بمرونة الاقتصاد السعودي رغم اضطرابات الطاقة والتجارة

أثنى صندوق النقد الدولي على متانة الاقتصاد السعودي في مواجهة التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة والتجارة العالمية، مشيراً إلى أن الإصلاحات الاقتصادية والاستثمارات الاستراتيجية والاحتياطيات المالية مكّنت المملكة من امتصاص جزء من آثار الأزمات الإقليمية، رغم الضغوط التي واجهها القطاع النفطي خلال العام الجاري 2026.

وأوضح جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي، في تصريحات أدلى بها على هامش اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين المنعقدة في بانكوك، أن الاقتصاد السعودي أظهر مرونة لافتة في التعامل مع الاضطرابات، مستفيداً من تنوع البنية التحتية وتوفر مسارات بديلة لتصدير النفط واستيراد السلع، إضافة إلى قوة الأصول والاحتياطيات المالية.

ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى المملكة

تتزامن هذه التصريحات مع صدور مؤشرات اقتصادية حديثة تُظهر زيادة في تدفقات الاستثمار الأجنبي وتحسناً في أداء القطاع الخاص غير النفطي، في مقابل استمرار التحديات الناجمة عن تراجع إنتاج النفط واضطراب حركة التجارة الإقليمية.

وكشفت أحدث بيانات الهيئة العامة للإحصاء السعودية، الصادرة في 15 أكتوبر 2026، عن ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة بنسبة 33.5% خلال عام 2025، لتصل إلى 159.1 مليار ريال (نحو 42.4 مليار دولار)، مقارنة بـ 119.2 مليار ريال في عام 2024.

وبلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية نحو 1.06 تريليون ريال بنهاية 2025، بارتفاع نسبته 8.3%، فيما سجل صافي التدفقات 81.4 مليار ريال. واستحوذ قطاع التشييد والبناء على الحصة الأكبر من الاستثمارات الأجنبية الوافدة بقيمة 34.5 مليار ريال، تلاه قطاع الصناعة التحويلية بـ 33.4 مليار ريال، مما يعكس أهمية هذين القطاعين في جذب رؤوس الأموال الأجنبية.

نمو القطاع غير النفطي رغم انكماش الناتج المحلي

في أحدث بيانات الناتج المحلي الإجمالي، سجل الاقتصاد السعودي انكماشاً حقيقياً بنسبة 4.7% خلال الربع الثاني من عام 2026 على أساس سنوي، بفعل تراجع الأنشطة النفطية بنسبة 24.8% متأثرة باضطرابات الإنتاج والتصدير. غير أن الأنشطة غير النفطية حافظت على نمو إيجابي بلغ 0.9% خلال الفترة نفسها، كما ارتفعت الأنشطة الحكومية بالنسبة ذاتها.

وكان الاقتصاد السعودي قد حقق نمواً حقيقياً بلغ 4.6% خلال عام 2025، وفق تقرير مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي، مدعوماً بتعافي الإنتاج النفطي وقوة الطلب المحلي ونشاط القطاعات غير النفطية.

وعكست بيانات مؤشر مديري المشتريات السعودي تحسناً في ظروف أعمال القطاع الخاص غير النفطي خلال سبتمبر 2026، حيث ارتفع المؤشر إلى 55.3 نقطة مقابل 53.8 نقطة في أغسطس، مسجلاً أفضل أداء له منذ فبراير الماضي، مدعوماً بتحسن الطلب المحلي وزيادة الطلبات الجديدة والتوظيف والمشتريات. ويشير بقاء المؤشر فوق مستوى 50 نقطة إلى استمرار توسع النشاط الاقتصادي غير النفطي، رغم الضغوط المرتبطة بتكاليف المواد الخام والنقل واضطراب سلاسل الإمداد.

احتياطيات مالية قوية تدعم الاستقرار

على صعيد المتانة المالية، أظهرت بيانات البنك المركزي السعودي وصول الأصول الاحتياطية الرسمية للمملكة إلى نحو 465.67 مليار دولار (1.746 تريليون ريال) بنهاية سبتمبر 2026، مسجلة ارتفاعاً سنوياً بنسبة 3.36% مقارنة بـ 450.51 مليار دولار في سبتمبر 2025، رغم انخفاضها بنسبة 4.4% على أساس شهري مقارنة بأغسطس الماضي. وتشكل هذه الأصول أحد عناصر الدعم الأساسية للاستقرار المالي والنقدي، إلى جانب الأصول السيادية والقدرة على إدارة السيولة ومواجهة الصدمات الخارجية.

وكانت كريستالينا جورجييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، قد أكدت أن الإصلاحات المالية والهيكلية التي نفذتها السعودية خلال السنوات الماضية أسهمت في بناء هوامش أمان اقتصادية تساعدها على التعامل مع الأزمات الحالية.

وأبرز صندوق النقد الدولي أهمية الاستثمارات السعودية في البنية التحتية للطاقة والنقل، ولا سيما خط أنابيب شرق–غرب الذي تبلغ طاقته نحو 7 ملايين برميل يومياً، ويساعد على نقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، مما أسهم في الحد من تأثير اضطرابات الملاحة بمضيق هرمز على تدفقات النفط السعودي ودعم استمرارية الإمدادات إلى الأسواق الدولية.

وفي التجارة الخارجية، سجلت الصادرات السلعية السعودية نحو 84.4 مليار ريال خلال يوليو 2026، مقابل واردات بقيمة 70 مليار ريال، محققة فائضاً تجارياً بلغ 14.4 مليار ريال. وبلغت الصادرات غير النفطية نحو 24.5 مليار ريال خلال الشهر نفسه، وتصدرتها منتجات البلاستيك والمطاط والصناعات الكيماوية والآلات والمعدات الكهربائية.

التضخم عند 1.9% وتوقعات بانتعاش الاقتصاد في 2027

في مؤشر آخر على تطورات الاقتصاد السعودي، أظهرت البيانات الصادرة في 15 أكتوبر ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى 1.9% خلال سبتمبر 2026، مقابل 1.8% في أغسطس، مدفوعاً بزيادة تكاليف السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 3.6%، إلى جانب ارتفاع أسعار النقل بنسبة 2.3% والأغذية والمشروبات بنسبة 1.4%. ورغم التسارع الطفيف، ظل معدل التضخم السنوي أقل من مستوى 2%، في وقت تواجه فيه الأسواق العالمية ضغوطاً مرتبطة بأسعار الطاقة وتكاليف الشحن.

ورغم إشادة صندوق النقد الدولي بمرونة الاقتصاد السعودي، تعكس أحدث توقعاته حجم التحديات التي فرضتها الاضطرابات الإقليمية خلال العام الحالي. فبحسب تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في أكتوبر 2026، يتوقع الصندوق انكماش الاقتصاد السعودي بنسبة 3.3% خلال 2026، قبل عودته إلى النمو بمعدل 7.9% في عام 2027. وتختلف هذه التقديرات عن توقعات يوليو الماضي، التي رجحت نمو الاقتصاد السعودي بنسبة 1.7% خلال 2026 و5.5% في 2027، مما يعكس تغير الافتراضات المرتبطة باستمرار اضطرابات إنتاج الطاقة وحركة الصادرات. ويرتبط التعافي المتوقع خلال العام المقبل بعودة إنتاج الطاقة والتجارة والخدمات اللوجستية تدريجياً إلى مستوياتها الطبيعية، مع استمرار النشاط الاستثماري وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية.

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *