في الرياض.. ولي العهد السعودي والرئيس السوري يوقعان حزمة اتفاقيات استراتيجية تشمل الدفاع والتنمية ومشاركة سوريا في إكسبو 2030

في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة، تأتي قوة العلاقات العربية من قدرة العواصم المؤثرة على تحويل فترات التوتر الجيوسياسي إلى طرق عملية تكرس الاستقرار وتدعم الاقتصادات الوطنية عبر شراكات تنموية تتجاوز الأزمات. ويجسد ذلك الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع إلى الرياض اليوم الأربعاء، والتي أثمرت نتائج استراتيجية على مسارين متوازيين: التوافق السياسي الواضح، وتوقيع مجموعة موسعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، وذلك بعد أن استقبله صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وعقدا جلسة مباحثات رسمية ناقشت العلاقات الثنائية والأوضاع الإقليمية والدولية.
وجاءت هذه الزيارة تلبية لدعوة كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وانطلاقاً من العلاقات التاريخية الراسخة وروابط الأخوة ووحدة المصير بين المملكة العربية السعودية وسوريا وشعبيهما. وتعكس مباحثات الرياض حرص قيادتي البلدين على التشاور والتنسيق في هذه المرحلة التي تشهد المنطقة فيها تطورات سياسية وأمنية متسارعة، ودعم كل الجهود لتعزيز الأمن والاستقرار إقليمياً ودولياً.
اقرأ أيضاً: بأكثر من 403 ملايين دولار.. الصندوق السعودي للتنمية يمول ستة مشروعات تنموية في سوريا
اتفاق سياسي يغلق باب التصعيد العسكري
على الصعيد السياسي، تصدرت جلسة المباحثات العلاقات الثنائية الوثيقة وسبل تطويرها في جميع المجالات، وتبادل الجانبان وجهات النظر حول الأوضاع الإقليمية والدولية الراهنة. واتفقا بخصوص التداعيات الخطيرة لأي تصعيد عسكري على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وسلامة الملاحة البحرية، واستدامة إمدادات الطاقة، واستقرار الاقتصاد العالمي. وفي ضوء هذه المناقشات، أشاد الجانبان بالتوافق الكبير في المواقف تجاه القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، مما يعكس عمق التنسيق بين الرياض ودمشق في مقاربة ملفات المنطقة.
اقرأ أيضاً: الهلال يُنهي مسيرة الاتحاد في دوري محمد بن سلمان بفوز صعب 3-2 في مواجهة مثيرة بملعب الأمير عبد الله الفيصل
وبناءً على وحدة الموقف هذه، أكد البلدان ضرورة تعزيز الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى خفض التصعيد واحتواء الأزمات، وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية، وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية. وشدد الجانبان على وجوب الوقف الفوري لكل الأعمال التي تهدد أمن الملاحة البحرية والممرات المائية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ومضيق هرمز.
اتفاقيات شاملة من الدفاع إلى التنمية
وبالتوازي مع هذا التوافق السياسي، توجت الزيارة زخمها بحصيلة تعاقدية موسعة شملت قطاعات حيوية عدة. إذ وقع البلدان اتفاقية للتعاون بين وزارتي الدفاع، إلى جانب مذكرة تفاهم للتعاون الصناعي بين وزارة الصناعة والثروة المعدنية في المملكة ووزارة الصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك في سوريا. وإلى جانب المسارين الدفاعي والصناعي، ضمت الحزمة الموقعة مذكرتي تفاهم للتعاون في مجالي الزراعة وحماية البيئة بين وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية من جهة، ووزارتي الإدارة المحلية والبيئة والزراعة السورية من جهة أخرى.
اقرأ أيضاً: الرئيس السوري أحمد الشرع يغادر الرياض ونائب أمير المنطقة يودعه في المطار
واستكمالاً لمنظومة الدعم التنموي، أبرم الصندوق السعودي للتنمية مع الجانب السوري اتفاقيات شملت مشاريع في مجالات البنية التحتية والصحة والسكن والخدمات المالية. وتشكل هذه الاتفاقيات ومذكرات التفاهم امتداداً للدعم السعودي المستمر للشعب السوري، وركيزة أساسية للمساهمة في عودة الاستقرار والتنمية إلى سوريا ونهضة اقتصادها.
سوريا في إكسبو 2030.. ثقة برؤية المملكة
وفي محطة نوعية ضمن الاتفاقيات، شهدت الزيارة توقيع اتفاقية مشاركة سوريا في معرض إكسبو 2030 في الرياض. ويعكس ذلك مدى تقدير القيادة السورية لولي العهد الأمير محمد بن سلمان ورؤيته 2030، وثقتها في المردود الإيجابي لاستراتيجية المملكة التنموية على سوريا ودول المنطقة وشعوبها، من خلال دعم أمن هذه الدول واستقرارها وإقامة شراكات اقتصادية تعود بالنفع على الجميع. وينسجم هذا التوجه مع ما صرح به الرئيس السوري أحمد الشرع في مشاركته بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار بالرياض، إذ أكد أن المملكة أصبحت بفضل رؤيتها التي يقودها ولي العهد “بوصلة اقتصادية للمستثمرين”، مشيراً إلى أن أبرز تحديات المنطقة تكمن في تراجع النمو الاقتصادي، وقوله: “فرأيت أنها ليست فقط عند حدود المملكة العربية السعودية، ورأيت أنها رؤية تشمل المنطقة بأكملها”.
اقرأ أيضاً: ولي العهد السعودي يبحث مع الرئيس السوري تعزيز العلاقات الثنائية والتباحث حول الأوضاع الإقليمية
استثمارات سابقة تمهد الطريق
ويرتكز هذا الزخم التعاقدي على أرضية استثمارية تأسست في السابع من فبراير من العام الحالي، حين شهدت دمشق برعاية الرئيس السوري أحمد الشرع وحضور وزير الاستثمار السعودي المهندس خالد بن عبد العزيز الفالح توقيع سلسلة عقود واتفاقيات استثمارية استراتيجية بين الشركات السعودية والجانب السوري في قطاعات الطيران والاتصالات والبنية التحتية وتحلية ونقل المياه والقطاع الصناعي والتقني. وشملت حزمة فبراير المبادرات التنموية، ومشروع مطار حلب الدولي، وتأسيس شركة طيران مشتركة، وتطوير البنية التحتية للاتصالات بالألياف البصرية ومراكز البيانات، ودراسات تحلية ونقل المياه، وتشغيل شركة الكابلات الحديثة وتطويرها صناعياً. وأكد وزير الاستثمار السعودي آنذاك أن هذه الاتفاقيات تشكل مرحلة جديدة في التعاون الاقتصادي، وتعكس حرص القيادتين على نقل الشراكات الاستثمارية من مرحلة التفاهمات إلى التنفيذ الفعلي، ودعم التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل.
تكتسب زيارة اليوم زخماً إضافياً من تقارب المحطات الدبلوماسية بين العاصمتين، إذ تأتي بعد أقل من شهر على لقاء السادس من أكتوبر الماضي في الرياض الذي استعرض آفاق العلاقات الثنائية وأوجه التعاون، وشارك فيه وزير الدفاع السعودي ووزير الخارجية السعودي من الجانب السعودي، ووزير الخارجية والمغتربين السوري من الجانب السوري. وعلى المستوى البروتوكولي، عكست مراسم الاستقبال عمق الروابط الأخوية، إذ نقل ولي العهد إلى الرئيس السوري تحيات خادم الحرمين الشريفين وتمنياته له بالصحة والعافية وللتقدم لسوريا وشعبها، وطلب الرئيس الشرع نقل تحياته للعاهل السعودي. وفي ختام المباحثات، أعرب الرئيس السوري عن شكره لحسن الاستقبال وكرم الضيافة، وجدد ولي العهد أطيب تمنياته بالصحة للرئيس السوري وللشعب السوري الشقيق. ومع اكتمال هذه الحصيلة تنتقل العلاقة السعودية السورية من الإسناد الدبلوماسي إلى هندسة المصالح المستدامة، حيث تغدو الشراكة التنموية صمام أمان يغلق منافذ التصعيد ويفتح أمام دمشق بوابة العبور الاقتصادي نحو أفق عام 2030.
المزيد في قسم عربي و عالمي






