حريق يلتهم «شجرة الكهف» في الأفلاج وغياب التوثيق يحيّر المحققين

حريق يلتهم «شجرة الكهف» في الأفلاج وغياب التوثيق يحيّر المحققين

في قاع وادي غلغل بمحافظة الأفلاج، حيث دربت السيول الحجارة على الصمت لعقود طويلة، لم يعد للظل أثر سوى رائحة احتراق وبقايا متفحمة. شجرة واحدة كانت تقف هناك، يلقي عليها المارة التحية باسم «شجرة الكهف» الذي أطلقه عليها التراث الشعبي، دون حاجة لبطاقة تعريف رسمية طوال سنوات وقوفها في وجه الرياح والشمس.

صباح الاثنين المشؤوم

في صباح يوم الاثنين السادس والعشرين من أكتوبر 2026، التهمت النيران أغصان الشجرة فجأة. ومع تصاعد الدخان، فتحت الجهات المختصة تحقيقًا بيئيًا وأمنيًا، وأثارت الحادثة حيرة الأسئلة التي لم تسجلها الأوراق الحكومية من قبل. فالقصة في السجلات الرسمية تبدأ من نهايتها المأساوية، لا من جذورها الأولى: لا اسم لمن زرعها، ولا تاريخ لليوم الذي شقت فيه تربة الوادي، ولا وثيقة تحدد عدد الخريف الذي مر عليها قبل أن تتحول إلى حطام متفحم.

استجابة عاجلة وتحقيقات مستمرة

هرع فريق من المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر إلى موقع الحريق، وكان هدفه الأول عمليًا بحتًا: عزل النيران ومنع انتشارها إلى ما تبقى من خضرة في المتنزه، ثم تنظيف البقايا ورفع الواقعة إلى جهات التحري للبحث في ملابسات ما وصف رسميًا بـ«حادثة حريق». حتى اللحظة، لم تملك الأوراق جزمًا بالسبب، أو إدانة لمتسبب، أو تقريرًا يطمئن العابرين على قدرة الجذع المصاب على النجاة.

وادي غلغل بين المطر والتاريخ

صحراء الأفلاج، التي عرفت قديمًا في بطون التاريخ باسم «الفلج» وسوقها التجاري العتيق، يحضر فيها اسم «غلغل» بقوة في جغرافيا المكان؛ إذ حفظ الاسم في شتاء 2013 حين سالت أوديته المجاورة لوادي الأحمر ووادي الغيل. لكن الوادي الذي حفظته سجلات المطر نسي أن يوثق تاريخ شجرته. الشجرة التي احتضنها الأهالي كرمز طبيعي ظلت في العرف البيروقراطي مجرد شجرة طلح، دون أن تمنحها دفاتر المؤسسات إجابة عن سر اقتران اسمها بالكهف، أو شهادة نسب تفصل فصيلتها الدقيقة: هل هي الطلح النجدي أم طلح السلم؟ وتلك تفاصيل تفرق كثيرًا في علم النبات كما في ذاكرة الأماكن.

قوانين صارمة في انتظار النتائج

الطلح في بطاح الجزيرة ليس مجرد خشب؛ إنه كائن التكيف المدهش الذي يحبس التربة أن تتغلغل ويمنح الطير والوحش ظلًا ومأوى، وتتفاوت أعماره في البراري بين عشرين عامًا إلى قرنين. ومع ذلك، لا يملك أحد حتى اليوم أن يدعي أن شجرة غلغل عاشت مئتي عام، كما لا يستطيع أحد أن يجزم بأنها واحدة من بين 550 شجرة معمرة حصرها مركز الغطاء النباتي في خريف 2025 واعتبرها إرثًا وطنيًا؛ فالقائمة أُغلقت على أرقامها دون أن تفصح عن أسماء مواقعها التفصيلية. في الأفق، ثمة نصوص مشددة يفرضها نظام البيئة السعودي؛ قوانين صارمة تجرّم العبث بالغطاء النباتي وتتوعد مشعلي النيران بغير الأماكن المخصصة بعقوبات تتدرج حتى تبلغ قسوة الجرم إن ثبت التعمد. غير أن القانون يقف الآن عند حدود تحريات لم تُعلن نتائجها بعد، في انتظار تقرير فني يحدد هل ما جرى كان عبثًا مدبرًا أم قضاء عابرًا في وادٍ اعتاد تقلب الفصول. بين سواد الجذع وبياض الأوراق الرسمية الخالية من تفاصيل الماضي، تنام «شجرة الكهف» على رمادها. قصة لم تكتمل في الدفاتر؛ بدأت من حريق وتنتظر ما ستكشفه التحقيقات، لتثبت أن بعض الشجر يحتاج أن يُحرق أولًا لكي يتذكر الناس أن له سيرة كان ينبغي أن تُكتب قبل أن تتحول إلى رماد.

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *