مهرجان الزربيان في عدن.. رسالة تمسك بالتراث رغم تحديات القصف

في مشهد يعكس إصرار أبناء عدن على استمرارية حياتهم اليومية وتقاليدهم الاجتماعية، انطلق مهرجان الزربيان العدني تحت شعار “الطعم الذي يجمعنا”، في فعالية استمرت يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين من شهر أكتوبر 2026. وجمع المهرجان طهاة وزواراً حول مائدة هذا الطبق الشعبي الذي يعد جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الغذائية والاجتماعية للمدينة.
تأتي هذه التظاهرة في وقت لا تزال فيه مخاوف السكان حاضرة إثر هجمات صاروخية استهدفت عدن خلال الأسابيع التي سبقت المهرجان. ورغم ذلك، خرج المنظمون والمشاركون برسالة مفادها أن الحياة تستمر وأن التمسك بالتراث أقوى من أي تهديد، وفق ما نقلته وكالة الأناضول عن عدد من المسؤولين والناشطين.
الاحتفاء بالتراث في مواجهة الخوف
أكد مدير المهرجان، شعيب العفيف، في حديثه للأناضول، أن الفعالية جاءت للاحتفاء بوجبة تجاوزت شهرتها حدود عدن لتصل إلى مختلف المحافظات اليمنية ودول عربية وخليجية. وأوضح العفيف أن المهرجان “يحمل رسالة واضحة بأن الحياة لا تتوقف أمام الخوف، وأن أبناء عدن متمسكون بمدينتهم وتراثهم وأفراحهم، وكأنهم يقولون للعالم إننا نختار الحياة رغم كل ما يحيط بنا من قصف وتهديد”.
وبيّن العفيف أن الفعالية أتاحت الفرصة للتعريف بمهارات الطهاة وتنوع طرق إعداد وتقديم الطبق، مسلطة الضوء على ما يميز المطبخ العدني من أطباق شعبية حافظت على حضورها عبر الأجيال. واعتبر أن مثل هذه المهرجانات تكتسب أهمية كبيرة في التعريف بالموروث الغذائي باعتباره أحد مكونات الهوية الثقافية للمدن، فضلاً عن إمكانية توظيفه في تنشيط الفعاليات السياحية والتراثية.
تمسك بالحياة رغم القلق
من جانبها، قالت الناشطة العدنية ورئيسة مؤسسة “أكون”، ليلى الشبيبي، إن الاستهدافات الصاروخية الأخيرة التي تعرضت لها عدن أثارت قلقاً واسعاً بين سكانها. وأوضحت أن إقامة المهرجان تعكس تمسك السكان بحياتهم الطبيعية وحرصهم على استمرار مناسباتهم وتقاليدهم، دون أن تطغى المخاوف على تفاصيل حياتهم اليومية. وأضافت أن “الزربيان بات جزءاً من طقوس الفرح والضيافة في عدن وباقي المدن اليمنية”.
نكهة تتوارثها الأجيال
يحضر الزربيان بقوة على موائد الأعياد والأعراس والولائم في عدن، حيث تتناقل الأسر والطهاة طرق إعداده، بما تحمله من تفاصيل دقيقة في اختيار المكونات وضبط التوابل ومراحل الطهي. وأوضح الطاهي أرحب محمد علي قاسم أن تحضير الزربيان يبدأ بتتبيل اللحم بالزبادي والثوم والبهارات، ثم استخدام الأرز والبطاطس والبصل، إلى جانب الهيل والقرفة والقرنفل والكمون والكركم وغيرها من التوابل.
وأضاف قاسم: “تُطهى المكونات وفق مراحل متتابعة، بما يسمح بتداخل النكهات وتشرّب اللحم والأرز بالتوابل، حتى يكتسب الطبق مذاقه الغني ورائحته الزكية التي تميزه عن غيره من الوجبات”. واعتبر أن خبرة الطاهي في اختيار المقادير وضبط الحرارة وتوقيت الطهي هي من أهم أسرار نجاح الزربيان، الذي تتوارث الأجيال طرق إعداده وتحافظ على مكانته في المطبخ العدني.
أما المواطن تنوير حسن إسماعيل، فرأى أن حضور الزربيان يرتبط بالذاكرة العائلية، مشيراً إلى أن لكل أسرة تفاصيلها الخاصة في إعداده وتقديمه، وأن رائحته تستحضر لدى كثيرين ذكريات الأعياد واجتماعات الأقارب. ولافتاً إلى روايات متداولة تربط جذور الطبق بالمطبخ الهندي، وانتقاله إلى عدن عبر التفاعل التاريخي والثقافي قبل أن يكتسب هويته العدنية الخاصة.
مائدة للضيافة واللقاء
وصفت الصحفية العدنية نائلة هاشم الزربيان بأنه أحد أبرز الموروثات الغذائية المرتبطة بذاكرة المدينة ومناسباتها الاجتماعية. وأضافت أن الوجبة تعكس قيم الكرم والضيافة والتواصل الاجتماعي، وتجسد جانباً من الهوية الثقافية لعدن. وعن المهرجان، قالت إنه “فرصة للتعريف بهذا الموروث الأصيل، وإبراز خصوصية المطبخ العدني، بما يسهم في الحفاظ على التراث المحلي ونقله إلى الأجيال القادمة”.
ورغم انقضاء المهرجان، ترى الشبيبي أن دلالته تتجاوز المناسبة، لتعكس حرص عدن على صون عاداتها وموروثها وإبقاء تفاصيل حياتها الاجتماعية حاضرة رغم الظروف المقلقة. وبين مهارات الطهاة وذكريات الموائد العائلية، نجح المهرجان في جمع جوانب من تراث المدينة، ومنح المشاركين مناسبة للاحتفاء بطبق يتوارثون مذاقه، ويتمسكون بما يصاحبه من ألفة وفرح.






