البرازيل على موعد مع الانتخابات: لولا دا سيلفا يخوض سباقاً رئاسياً رابعاً وسط تحديات محلية ودولية

يخوض الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، البالغ من العمر ثمانين عاماً، سباقاً رئاسياً جديداً يوم الأحد المقبل، ساعياً إلى ولاية رابعة. ويعتمد العامل السابق في قطاع المعادن على شعبيته الواسعة ونجاحاته الاقتصادية التي أعادت الحياة إلى اقتصاد كان يعاني من التدهور. ومع ذلك، يواجه لولا ضغوطاً من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مما يجعل من الصعب عليه حشد التأييد لسياساته، لدرجة أن استطلاعات الرأي أظهرت تقارباً كبيراً بينه وبين منافسه اليميني المتطرف فلافيو بولسونارو.
مسيرة سياسية تمتد لأربعة عقود
بعد مرور نحو أربعين عاماً على ترشحه الأول للرئاسة، يعود لولا لخوض سابع انتخابات رئاسية له يوم 4 أكتوبر 2026، أملاً في الفوز بولاية رابعة على رأس أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية. وكان لولا قد صرّح سابقاً بأن ولايته الثالثة ستكون الأخيرة، واعداً الناخبين قبل جولة الإعادة في 2022 بأنه لن يترشح سوى لولاية واحدة فقط، مؤكداً أهمية ظهور قادة جدد على الساحة السياسية. لكنه وبعد أربع سنوات، عاد مجدداً للسباق، مكرراً وعده بأن هذه المرة هي الأخيرة، قائلاً عند إعلان ترشحه في أغسطس: «أنا في حالة ممتازة»، ومادحاً روتينه الرياضي، ومؤكداً أن هذه الولاية ستكون «نهائية» إذا انتخبه البرازيليون.
وقبل يومين من الجولة الأولى، لا يزال لولا، الذي سيحتفل بعيد ميلاده الحادي والثمانين في 27 أكتوبر، الزعيم الأبدي لليسار البرازيلي والوحيد القادر على مواجهة فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير الذي يقضي حكماً بالسجن لمدة 27 عاماً بتهمة محاولة الانقلاب. وتظهر استطلاعات الرأي نتائج متقاربة بين المرشحين في انتخابات شديدة الاستقطاب، حيث يقتصر دور المرشحين الآخرين على الهامش.
من المصنع إلى قصر الرئاسة
لخوض هذه الولاية الرابعة، اعتمد لولا على وصفة أثبتت نجاحها: التقرب من الطبقات الشعبية. ينحدر لولا من أسرة فقيرة في ولاية بيرنامبوكو، وعمل في طفولته كعامل وماسح أحذية ومراسل في ساو باولو قبل أن يتدرب على مهنة الخراطة. في المصنع، وسط النقابات العمالية، تشكلت مسيرته السياسية، وبرز كأحد وجوه الإضرابات الكبرى في قطاع المعادن في ساو باولو خلال السنوات الأخيرة من الديكتاتورية العسكرية (1964-1985). وتعلق مارشيا دياس، مديرة كلية العلوم السياسية في الجامعة الفيدرالية لولاية ريو دي جانيرو، قائلة: «في البرازيل، يجب فهم السياسة بما يتجاوز الإطار الحزبي. لولا يفهم جيداً الحياة اليومية وصعوبات السكان العاديين، فهو يجسد للكثيرين الروح البرازيلية من خلال قصته كمهاجر من الشمال الشرقي وابن لأم عزباء يحاول البقاء في مدينة كبيرة مثل ساو باولو».
وليس من المصادفة أن لولا اختار إطلاق حملته لعام 2026 في ملعب فيلا إقليدس في ساو برناردو دو كامبو، الذي شهد التجمعات العمالية الكبرى في أواخر السبعينيات. وفي خطابه الأول، تمسك بأصوله الشعبية، مشيداً بأمه ومتحدثاً عن سنواته النقابية، كما ألمح إلى علاجه من سرطان الجلد قائلاً: «سأتحدى صحتي وأرفع قبعتي لكم»، مستعرضاً نجاحات حكوماته السابقة.
صعود وهبوط: من الفوز إلى الفساد والعودة
يتمتع لولا بعمر سياسي قياسي في أمريكا اللاتينية، حيث بدأ مسيرته الرسمية عام 1980 بتأسيس حزب العمال. بعد هزائم متتالية في أعوام 1989 و1994 و1998، أدرك أنه بحاجة لتوسيع تحالفاته وتغيير صورته، فتحول من زعيم نقابي مقاتل إلى رجل يرتدي بدلات أنيقة ويدعو إلى «مصالحة وطنية»، مما أدى إلى فوزه في 2002 بأكثر من 60% من الأصوات في الجولة الثانية، ليصبح أول عامل يدخل قصر بلانالتو. أعيد انتخابه بعد أربع سنوات، وشهدت ولايتاه الأوليان نمواً اقتصادياً قوياً وتدابير اجتماعية مثل «بولسا فاميليا» وزيادة الحد الأدنى للأجور، مما رفع شعبيته إلى مستويات استثنائية.
لكن هذه السنوات شهدت أيضاً فضائح فساد، أبرزها فضيحة شراء الأصوات في البرلمان بين 2002 و2005. في 2017، أُدين لولا بالفساد السلبي وتبييض الأموال، وأمضى 580 يوماً في السجن، وأُعلن عدم أهليته لانتخابات 2018. لكن المحكمة العليا الفيدرالية ألغت القرار في 2021، معتبرة أن المحكمة لم تكن مختصة وانتقدت تحيز القاضي سيرجيو مورو. عاد لولا للفوز في انتخابات 2022 وهزم جايير بولسونارو بفارق ضئيل. وتشرح مارشيا دياس: «ما لا يقل عن 30% من ناخبي لولا لم يصدقوا اتهامات الفساد، وعندما أُلغيت الإدانة، بدأ جزء من الذين خاب أملهم بالإيمان به من جديد».
حصيلة اقتصادية متوسطة وتحديات جديدة
يجد لولا اليوم بلداً مختلفاً عن ذلك الذي حكمه بين 2003 و2010. وصل إلى نهاية ولايته الثالثة بحصيلة جيدة نسبياً: بطالة في أدنى مستوياتها التاريخية، تضخم متباطئ، فقر متراجع، وتخفيض في وقت العمل الأسبوعي. لكن النمو تباطأ، وارتفع الدين العام، ولا تزال مديونية الأسر مرتفعة، مما يعني أن تحسن المؤشرات الاقتصادية لا ينعكس في جيوب المواطنين. ويظهر استطلاع داتافوليا في 24 سبتمبر أن 34% من البرازيليين يرون إدارته جيدة أو ممتازة، مقابل 40% يرونها سيئة، بينما يوافق 47% على أدائه ويعارضه 50%.
طغت على الحملة قضايا تكلفة المعيشة وموازنة الحسابات العامة، إضافة إلى انعدام الأمن الذي حاول لولا معالجته بخطة ربيعية. كما أثارت جدالات وفضائح متعددة ضجة، مثل إجبار فلافيو بولسونارو على القسم بأنه لا يريد سحب صفة «القديسة الراعية للبرازيل» من سيدة أباريثيدا، مما دفع لولا للظهور مع تمثيلات لهذه العذراء السوداء. ويواجه الحزب أيضاً مشكلة في إيجاد بديل للولا؛ فعلى مدى 46 عاماً، لم يظهر قائد بحجمه. وتذكّر مارشيا دياس: «قيادة لولا مهمة للحزب، وهو مؤسس حزب عمال يمثل الحركات الاجتماعية. آخر مرة سلم فيها المشعل كانت مع ديلما روسيف. حتى اليوم، لا أحد أكثر تسليحاً لمواجهة تهديد عودة الليبرالية الجديدة الراديكالية لبولسونارو».
في الوقت نفسه، يلقي دونالد ترامب بظلاله على السباق، حيث لم يعلن دعمه لفلافيو بولسونارو لكنه فرض رسوماً جمركية عالية على البرازيل في يوليو، وصفها مسؤولو برازيليا بـ«غير القانونية». عُقد اجتماع بين ممثلين من البلدين الأربعاء في برازيليا لمناقشة العلاقة التجارية، واعتبرته السلطات البرازيلية حواراً بناءً. وفي محاولة لتعزيز موقفه، يقدم لولا نفسه كحصن ضد الإمبريالية الأمريكية، مؤكداً في الأمم المتحدة أن بلاده لن تكون أبداً «الفناء الخلفي لأي أحد»، معرباً عن رغبته في تعميق العلاقات مع الصين ودول بريكس، والدفاع عن استخدام الموارد الاستراتيجية كالمعادن النادرة لتحفيز التنمية الصناعية.






