الرئيسيةكتاب و آراءبين حب الفريق وكراهية المنافس: أين...
كتاب و آراء

بين حب الفريق وكراهية المنافس: أين يضيع العقل في المدرجات؟

21/09/2026 09:00

أرسل إليّ صديق مقرّب، وهو مذيع متميز في تقديم البرامج الحوارية، عبارة جعلتني أتأمل طويلاً: «أدركت أن العقل لا يتضاءل في كرة القدم لمجرد أنك تشجع، بل يتقلص بشكل مخيف عندما تقع في فخ كراهية الخصم».

لم تكن هذه العبارة في رأيي مقتصرة على كرة القدم فقط، بل كانت تتعلق بالإنسان ذاته، وتلك المنطقة الحساسة التي تفصل بين الانتماء لشيء ما والحاجة إلى إلغاء شيء آخر لتشعر بقيمة هذا الانتماء.

التشجيع: مساحة للفرح أم بداية للتحول؟

عندما يشجع الإنسان، فإنه يمنح عواطفه متسعاً من الفرح. يختار لوناً وقميصاً وشعاراً وذكريات وأسماءً ارتبطت في وجدانه بلحظات لا تقاس بمنطق الأرقام وحده. هذا أمر طبيعي، لأن كرة القدم في أجمل صورها ليست مجرد تسعين دقيقة على العشب، بل هي مساحة عاطفية يعيش فيها الإنسان جزءاً من طفولته وصداقاته وذكرياته وانتصاراته الصغيرة. لذلك، لا أرى في التشجيع نقصاً في العقل، فالعقل لا يفقد مكانته لمجرد أن القلب هتف.

المشكلة تبدأ عندما لا يصبح حبك لفريقك كافياً، فتبحث عن كراهية فريق آخر لتكتمل فرحتك. هنا يحدث التحول، ويتغير السؤال من «كيف يفوز فريقي؟» إلى «كيف يخسر منافسي؟».

عندما تعيد الكراهية تشكيل الحقيقة

هذه مسافة قصيرة في المدرجات، لكنها هائلة في الإنسان. فمن يحب فريقه يستطيع أن يختلف ويجادل وينتقد ويفرح ويحزن، ثم يحتفظ في داخله بمساحة صغيرة للحقيقة. أما من يكره المنافس، فإنه يبدأ تدريجياً في إعادة تعريف الحقيقة بما يغذي كراهيته. فيصبح الخطأ صواباً إذا خدم ناديه، والصواب خطأً إذا أصاب خصمه. تصبح الموهبة عظيمة حين ترتدي القميص الذي يحبه، وعادية حين ترتدي القميص الآخر. ويصبح الحكم عادلاً حين يمنحه ما يريد، ومتهمًا حين يمنح منافسه ما لا يريد.

حتى البطولة نفسها قد تفقد معناها في عينيه إذا رفع الآخر كأسها. وهنا لا يكون المأزق في كرة القدم، بل يصبح المأزق في أن الإنسان قد يسمح لعاطفة صغيرة أن تعيد ترتيب منظومته الأخلاقية كلها.

تآكل العقل بالتقسيط

إن أخطر ما في الكراهية أنها لا تطلب منك أن تكره فقط، بل تطلب منك مع الوقت أن ترى العالم من خلالها. تأخذ منك قدرتك على الإنصاف دون أن تشعر، ثم تقنعك بأن الإنصاف ضعف، وأن الاعتراف بأفضلية المنافس تنازل، وأن التصفيق للاعب من الفريق الآخر هو «خيانة لناديك».

وهكذا يتحول التشجيع من انتماء جميل إلى سجن ضيق. في المدرجات، لا أحد يخسر عقله دفعة واحدة. العقل يتآكل بالتقسيط: مرة حين تنكر حقيقة واضحة لأن المنافس قالها، ومرة حين ترفض الإعجاب بلاعب لأنك لا تحب القميص الذي يرتديه، ومرة حين تتمنى سقوط الآخر أكثر مما تتمنى نجاح فريقك، ومرة حين يصبح فشل المنافس مناسبة لفرحك أكبر من انتصار فريقك. وعندما تصل إلى هذه المرحلة، عليك أن تسأل نفسك: هل ما زلت أشجع فريقي، أم أنني أصبحت أستخدم فريقي لتبرير كراهيتي للآخر؟

الانتماء الواثق لا يخاف من المنافس

ثمة فرق عميق بين الأمرين. فأن تحب الهلال مثلاً، لا يعني أن عليك أن تكره النصر، وأن تحب النصر لا يستوجب أن تبحث عن عيوب الهلال كي تطمئن إلى حبك. التاريخ لا يحتاج إلى تشويه الآخرين كي يحتفظ بإنجازاته، والانتماء الواثق لا يخاف من وجود منافس قوي.

أعتقد أن أجمل ما يمكن أن تمنحنا إياه كرة القدم ليس الفوز فقط، بل قدرتها الغريبة على كشفنا. ففي الملعب نكتشف فريقنا، وخارج الملعب نكتشف أنفسنا. نعرف مقدار عدالتنا حين يخسر منافسنا، ونعرف مقدار اتزاننا حين يخطئ الحكم ضدنا، ونعرف حقيقة علاقتنا باللعبة حين يقدم لاعب من الفريق الآخر أداءً استثنائياً.

فإذا استطعت أن تقول «كان رائعاً» لمن لا ترتدي قميصه، فأنت لم تخسر حيزاً من انتمائك، بل ربحت شيئاً من إنسانيتك. وإذا استطعت أن تعترف بأن منافسك كان أفضل في ليلة ما، فلن ينقص ذلك من فريقك شيئاً. ما ينقص هو «الوهم» الذي أقنعك أن حبك لا يكتمل إلا إذا كان الآخر سيئاً.

لهذا بدت لي عبارة صديقي الإعلامي أوسع من كرة القدم. فالعقل لا يصغر لأننا نحب، إنه يصغر لأننا نكره. العقل يبدأ في التراجع حين تصبح الكراهية أقوى من الحقيقة، وحين يصبح سقوط الآخر جزءاً من سعادتنا، وحين نبلغ مرحلة نبحث فيها عن أي شيء يبرر بغضنا، حتى لو كان على حساب ما نعرف في داخلنا أنه حق. عندها لا يعود الإنسان يرى الآخر كما هو، بل كما تريده كراهيته أن يكون.

وهنا تكمن الخسارة الحقيقية. لأن الكراهية لا تؤذي من نكره فقط، بل تغير شيئاً فينا نحن، تسلبنا القدرة على الإنصاف، وتضعف فينا شجاعة الاعتراف، وتدفعنا إلى الدفاع عن الخطأ لمجرد أن الحقيقة جاءت من الجهة التي لا نحبها.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *