الرئيسيةكتاب و آراءتحليل نفسي لتردد الرجل السعودي في...
كتاب و آراء

تحليل نفسي لتردد الرجل السعودي في اغتنام الفرص الجديدة

07/09/2026 09:00

قد يقضي الرجل مساءً بأكمله في ترتيب أسباب تراجعه عن خطوة لم يعترض عليها أحد، ويكفيه أنه يعرف من كان سيعترض لو علم بالأمر. يستحضر وجوههم، ويجيب عن أسئلتهم المتوقعة، ويشرح لنفسه لماذا لم يعد الوقت مناسباً، ثم يغلق الصفحة التي كان سيملأ فيها طلب الالتحاق ببرنامج طالما تمنى أن يجد وقتاً له. يشعر براحة، لقد انتهت الجلسة، وبقي كل شيء في مكانه، هكذا يظن.

راحة التخلي عن التغيير

لهذه الراحة قدرة عجيبة على التخفي في هيئة الصواب، فما أن يتوقف القلق حتى يخيل إليه أنه أحسن الاختيار. وقد يكون كل ما حدث أنه أعاد حياته إلى وضع يعرف كيف يحتمله. للخيبة المألوفة امتيازها، فهو يعرف أين تؤلمه وكيف يرويها، أما الاحتمال الجديد فيحتاج منه أن يتعرف إلى نفسه خارج الحكاية التي أتقن روايتها.

ولعل هذا بعض ما يثقل الخطوة على رجل بلغ الأربعين، لديه ما يكفي من العمر ليقول «أعرف نفسي»، وما يكفي من الأعذار ليحمي هذه المعرفة من الاختبار. يتذكر ما قاله يوماً عن عمل أو تجربة أو أسلوب حياة، ثم يعامل تلك العبارة كأنها توقيعه الأخير على نفسه. كلما هم بالتقدم، استدعى قوله القديم شاهداً عليه، حتى تصبح خبرته في الدفاع عن مكانه أكبر من خبرته في مغادرته.

ثمن التراجع عن الخطوة

خطوة إلى الأمام، ثم خطوة إلى الوراء، يبدو المشهد تعادلاً لمن يراقبه من بعيد، لكن الرجل يعود إلى مكانه وقد مضى شيء من عمره. السؤال الذي يتجنبه يستحق أن يُسأل بهدوء: لصالح من تراجعت هذه المرة؟ من استرد شيئاً برجوعك؟ ربما لم ينتفع أحد، ربما بقيت صورة قديمة عنك مرتاحة في ذاكرة أحدهم، بينما دفعت أنت كلفة المحافظة عليها.

وربما كان وراء التردد خوف أشد خصوصية: أن تنجح، أن تدخل التجربة فتجد نفسك قادراً، وتستمتع بما كنت تتحفظ عليه، وتتعلم بسهولة ما ظننته أبعد من طاقتك. عندها سيصعب إسكات سؤال مؤلم: ماذا كنت أنتظر كل هذا الوقت؟ قد يتراجع المرء عن فرصة مقبلة لأنه لا يحتمل ما قد تكشفه عن فرصة مضت، فينفق بقية عمره على تبرئة ما انقضى منه.

الرفق بالنفس والسماح بالتغيير

يحتاج هنا إلى شيء من الرفق بنفسه، فقد اختار في ضوء ما عرفه من أسباب، وعاش بالقدرة التي كانت لديه، ونجا أحياناً بحذر كان ضرورياً في حينه. يستطيع أن يشكر تلك النسخة من نفسه على ما استطاعت، ثم يسمح لها بأن تستريح. فالرجل الذي أوصله إلى هنا يستحق الامتنان، ومن الامتنان ألا يطالبه بإدارة ما لم يكن يعرفه من الحياة.

وحين يرى السعودي مجالاً للعمل أو التعلم يقترب منه بعدما كان بعيداً، يصبح السؤال شديد الشخصية: ماذا سأفعل بهذا القرب؟ يستطيع أن يظل يصف ما يتغير حوله، ويستطيع أن يختبر نصيبه منه. وقد يبدأ ذلك باستفسار صغير، أو تدريب، أو زيارة مكان طالما أصدر حكمه عليه من بعيد. خطوات لا تحتاج منه أن يصبح شخصاً آخر قبل أن يجرّبها.

الخطوة المدروسة والتحول السعودي

بالطبع يعرف هذا الرجل ما ينتظره في بيته، ويعرف أن لبعض القرارات أثماناً تتجاوز صاحبها. لذلك تستحق خطوته أن تدرس، وأن تراعى فيها مسؤولياته. لكن الدراسة ينبغي أن تنتهي إلى قرار، فحين يعود كل احتمال إلى درج التأجيل نفسه، يجدر به أن يتفقد الدرج. ربما وضع فيه أشياء كثيرة تحت اسم الحذر حتى لم يعد يميز ما يحميه مما يحجزه.

وللخطوة المدروسة أثر قد يصل إلى البيت قبل أن يصل إلى الكلام: أب يستعيد رغبته في التعلم، وأسرة تجد سعة في عيشها، وخبرة قديمة تجد عملاً جديداً يليق بها. هنا يأخذ التحول السعودي معناه في حياة صاحبه، وتصبح قدرته على الإفادة مما يتاح له جزءاً مما يضيفه هو إلى بلاده. يكبر الاحتمال في الخارج، ثم يجد في الداخل من يمنحه حياة.

لعل الرجل يعود إلى الصفحة التي أغلقها، ويقرأها هذه المرة من غير أن يستحضر وجوه الغائبين. يسأل عما يحتاج أن يعرفه، ويترك لنفسه فرصة أن تجيب بما يعرفه اليوم. عندها قد يكتشف أنه ظل يترافع وحده أمام محكمة لم تستمع إلى أهم شهودها. فقد استدعى الرجل الذي كانه مراراً، ونسي أن يسأل الرجل الذي يمكن أن يكونه. وربما كانت الخطوة التي خاف أن تدين ماضيه، هي التي ستنصفه.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *