الرئيسيةكتاب و آراءالتجربة ليست معلمًا دائمًا: تأملات في...
كتاب و آراء

التجربة ليست معلمًا دائمًا: تأملات في دور المراجعة

14/08/2026 17:00

الوهم في تقدم السن

الناس يربطون بين بلوغ سن الخمسين وبين امتلاك الحكمة، ويظنون أن مرور السنوات يمنح الفهم تلقائياً. في الواقع العمر مجرد إطار يحدث فيه ما يحدث، والتعلم لا يحدث من نفسه بل يتطلب جهداً واعياً.

العلم من خلال المراجعة

من يبلغ الأربعين قد يكون قد أعاد تكرار أول سنة بعد البلوغ خمساً وعشرين مرة، فيتعامل مع العلاقات والمال والتربية بنفس النمط القديم دون أن يسأل عما إذا كان ذلك النافع أم الضار. ثم يجلس في آخر العمر ويوزع نصائحه باسم التجربة بينما هي مجرد عادة قديمة ظلّت معه حتى توهم أنها حكمة.

الجوهر هنا أن التجربة مادة خام لا قيمة لها إلا بعد معالجتها، والمعالج هو المراجعة. من يفقد صديقاً ويتساءل بصدق عن نصيبه من الخسارة يخرج من الموقف أنضج بعشر سنوات، بينما من يلقي اللوم على الآخرين ويعيد نفس الخطأ مع صديق آخر يبقى كما كان.

الفرق ليس في الحدث نفسه pues الحدث واحد، بل في ما يفعل كل شخص بالحدث بعد وقوعه.

الذاكرة وتجدد التجربة

الخطر الأكبر أن التجربة غير المراجعة لا تقف عند عدم التعليم؛ بل تُعلّم دروساً خاطئة. من جرحه شخص ما مرة يستنتج أن لا أحد يمكن ائتمانه ويغلق قلبه عن العالم بسبب موقف واحد، ومن نجح مرة بأسلوب معين في ظرف معين يعمم القاعدة على كل زمان ثم يواجه واقعاً تغيرت شروطه فيفشل ولا يشك في القاعدة لحظة، بل يشك في الناس والزمان والجيل الجديد، مستخدماً مسطرة قديمة لقياس عالم جديد.

يزيد الأمر تعقيداً أن ذاكرتنا لا تنقل التجربة بأمانة؛ نحن نتذكر أثر الحدث وننسى تفاصيله وظروفه، ثم نعيد سرد القصة بعد سنوات بصيغة أنظف وأكثر بطولة، فتتحول التجربة من درس قابل للاستخدام إلى حكاية تُروى فقط. ومن يفتخر بتجاربه ويقدم في كل مجلس نفس الرواية بالتفاصيل نفسها يثبت أن تجربته توقفت عن النمو منذ زمن.

المراجعة التي تحول السنين إلى خبرة بسيطة: سؤالان في نهاية كل موقف أو علاقة أو سنة: ما الذي نجح ولماذا نجح؟ وما الذي أخفق ولو أعيد اليوم فما الذي سيتغير؟ السؤال الثاني هو الأهم لأنه يفحص ما نتجنب النظر إليه. ولهذا فإن أكثر الناس تجربة هم غالبًا أقلهم مراجعة، لأن مراجعة أربعين سنة تعني الاعتراف أن بعضها اتجه الاتجاه الخطأ، واعتراف مكلف يزداد كلما تأخر.

الزمن يمنحنا العمر ولا يمنحنا الحكمة؛ الحكمة ثمرة وعي بما مررنا به لا ثمرة مروره علينا. حتى الحمقى يكبرون وتظهر الشيب على رؤوسهم ويُنظر إليهم على أنهم أهل تجربة، بينما السنوات لم تفعل بهم سوى إضافة أرقام إلى أعمارهم. وإذا سمعتم شخصاً يدعي أن لديه خبرة أربعين سنة فاسألوه بهدوء: ما الذي تغير في طريقتك خلال هذه السنين؟ إن وجدتم الجواب حاضراً ومفصلاً فأنتم أمام من عاش عمره حقاً؛ وإن وجدتم الصمت فأنتم أمام من حمل السنوات دون أن تحملها.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *