الرئيسيةمنوعاتتولستوي في مرآة باهوم: حين يحاكم...
منوعات

تولستوي في مرآة باهوم: حين يحاكم الأديب جشعه بأرض لا تكفي سوى لقبر

08/07/2026 09:00

في عام 1886، نشر الأديب الروسي العظيم ليو تولستوي واحدة من أعمق قصصه القصيرة وأكثرها تأثيراً، تحت عنوان “كم يحتاج الإنسان من الأرض؟”. هذا النص الأدبي، الذي يجمع بين البساطة والعمق الفلسفي، ظل على مدى عقود أداة قوية لكشف الجشع البشري، وتوضيح الثمن الباهظ الذي يدفعه المرء وهو يلهث وراء أحلام لا تنتهي.

النشأة والتكوين الفكري لأديب عالمي

وُلد تولستوي عام 1828 لعائلة أرستقراطية عريقة، لكنه عانى من اليتم في سن مبكرة بعد رحيل والديه، فتولى تربيته وتعليمه عدد من المعلمين. التحق بعد ذلك بكلية الحقوق، لكن الدراسة النظامية لم تستطع كبح فضوله الفكري، فترك الجامعة قبل أن يتخرج، وكرس وقته لقراءة أبرز الأدباء الإنجليز مثل ستيرن وديكنز، والفلاسفة الفرنسيين، ولا سيما فولتير وروسو، الذين تركوا بصمة عميقة في تشكيل رؤيته للعالم.

بعد مغادرته الجامعة، أمضى تولستوي سنوات من الترحال والترف، معتمداً على مكانته الاجتماعية وثروة أسرته. ولم يقطع هذه الفترة سوى مشاركته القصيرة في حرب القرم، التي غيرت كثيراً من نظرته للحياة. وعند عودته، سافر إلى باريس حيث أنفق جزءاً كبيراً من أمواله، ثم رجع إلى ضيعته حاملاً حلماً جديداً: إنشاء مدرسة لأبناء الفلاحين الذين يعملون في أراضيه.

التحول الفكري والإبداع الأدبي

هناك بدأت ملامح تحوله الفكري تتشكل بوضوح. فلم يعد اهتمامه مقتصراً على التعليم، بل امتد إلى الدين والسياسة والأخلاق، ليقترب تدريجياً من رؤية روحية تدعو إلى اللاعنف، وتؤمن بأن الإنسان لا يحتاج سوى ضمير حي. وفي تلك الفترة، وبمساعدة زوجته صوفيا أندرييفنا، أنجز أعظم أعماله الأدبية، مثل “الحرب والسلام” و”آنا كارينينا” و”موت إيفان إيليتش”، وهي الأعمال التي رسخت اسمه بين أعظم روائيي العالم.

لكن النجاح الأدبي لم يجلب له الطمأنينة. على العكس، قاده إلى أزمة وجودية عميقة دفعته إلى مراجعة حياته كلها. حيث صاغ فلسفة عُرفت لاحقاً بـ”المسيحية اللاسلطوية”، القائمة على المحبة المطلقة واللاعنف ورفض إدانة الآخرين.

تأثر تولستوي أيضاً بأفكار هنري ديفيد ثورو حول العصيان المدني، وكتب رسالته الشهيرة إلى أحد المفكرين الهنود، لتبدأ بعدها مراسلاته مع المهاتما غاندي، التي كان لها أثر بارز في بلورة فلسفة المقاومة السلمية التي اشتهر بها الزعيم الهندي لاحقاً.

تناقضات تولستوي: الزهد في مواجهة الممتلكات

غير أن حياة تولستوي لم تكن خالية من المفارقات. ففي الوقت الذي كان يدعو فيه إلى الزهد، ويرى أن الأرض لا ينبغي أن تكون ملكاً لأحد، كان هو نفسه يواصل شراء الأراضي وتوسيع ممتلكاته. وخلال أقل من ثلاثة عقود، استثمر عشرات الآلاف من الروبلات في اقتناء مساحات شاسعة تضاعفت قيمتها مرات عديدة. كان يعيش التناقض ذاته الذي سيضعه لاحقاً في قلب قصته الشهيرة، وكأنه يحاكم نفسه قبل أن يحاكم الآخرين.

في “كم يحتاج الإنسان من الأرض؟” لا يبدو باهوم مجرد فلاح طماع، بل مرآة تعكس صراعاً عاشه مؤلفه في أعماقه. ومن خلال هذا البطل، يصور تولستوي الجشع باعتباره أحد أخطر الإغراءات التي تدفع الإنسان إلى فقدان إنسانيته وهو يظن أنه يقترب من السعادة.

ينتقل باهوم إلى منطقة باشكيريا، حيث يعيش قوم رحّل اشتهروا بكرمهم وبساطة حياتهم، وهي المنطقة نفسها التي اقتنى فيها تولستوي بعض أراضيه، ولذلك تبدو أحداث القصة أقرب إلى اعتراف أدبي منها إلى مجرد خيال.

صفقة الموت: رحلة باهوم الأخيرة

يعرض زعماء القبيلة على باهوم صفقة مغرية؛ فمقابل ألف روبل فقط، سيحصل على كل الأرض التي يستطيع أن يطوف حولها سيراً على الأقدام خلال يوم واحد، شرط أن يعود إلى نقطة البداية قبل غروب الشمس.

في البداية، بدا الأمر فرصة لا تُعوّض، لكن الطمع لا يعرف حدوداً. وكلما تقدم باهوم في رحلته، رأى أن ما جمعه لا يكفي، فواصل السير، ثم واصل، حتى ابتعد كثيراً عن نقطة الانطلاق. وعندما أدرك أن الشمس أوشكت على المغيب، انطلق يعدو بكل ما بقي لديه من قوة. كان يركض لا لينجو بحياته، بل لينقذ حلمه في امتلاك المزيد.

وقبيل غروب الشمس، وصل أخيراً إلى المكان المحدد، منهكاً يكاد يزحف. وما إن بلغ خط النهاية حتى خرّ على الأرض ميتاً.

عندها جاءت خاتمة القصة، الصادمة في بساطتها، لتجيب عن السؤال الذي حملته في عنوانها: لم يكن الإنسان يحتاج من الأرض سوى مساحة قبرٍ يوارى فيها جسده.

يبدو أن كتابة هذه القصة كانت، بالنسبة إلى تولستوي، محاولة لمواجهة تناقضاته الشخصية. فقد ازداد ميله في سنواته الأخيرة إلى الزهد، واعتنق حياة أقرب إلى التقشف، ودافع عن النباتية والعودة إلى الطبيعة، إلا أنه ظل يعيش في قصره الكبير، محاطاً بأراضيه ومظاهر الثراء التي طالما انتقدها.

وفي محاولة أخيرة للتصالح مع مبادئه، غادر منزله سراً برفقة ابنته ألكسندرا، التي كانت الأقرب إلى أفكاره. كان يريد أن يبدأ حياة جديدة بعيداً عن كل ما يثقله، لكن الرحلة لم تكتمل؛ إذ أصيب بالتهاب رئوي، ورحل بعدها بأيام قليلة.

كانت رحلة تولستوي الأخيرة تسير في الاتجاه المعاكس تماماً لرحلة باهوم؛ فالأول هرب من ثقل الممتلكات، بينما ظل الثاني يطاردها حتى لفظ أنفاسه الأخيرة. ومع ذلك، جمع بين الرجلين مصير واحد: أن الإنسان، مهما طال طريقه، لا يستطيع أن يحمل معه من هذه الدنيا سوى ما يتسع له قبره.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *