الرئيسيةمحلياتالاقتصاد النفسي للمعاملة: لماذا نُهدي الغرباء...
محليات

الاقتصاد النفسي للمعاملة: لماذا نُهدي الغرباء أفضل إصداراتنا؟

03/07/2026 19:00

يشاهد الدكتور سعود النداح مشهداً شائعاً: يتلقى شخص مكالمة من رقم غير معروف، يضبط صوته، يختار كلمات مهذبة، ويصبر على شرح لا يهمه. بعد دقائق، يرد مكالمة من أحد أقاربه بصوت مختصر، يقطع الحديث ويسرع لإنهائه.

آلية التوزيع غير الواعي للطيبة

ليس القصد أن المتحدث فظ أو غير مراعٍ؛ بل إن الفارق بين المكالمتين لا يُقاس بالأخلاق بل بآلية أعمق، نمارسها جميعاً دون إدراك. نحن لا نُخصص لطفنا لمن يستحقه حقاً، بل نمنحه لمن نشعر أننا تحت مراقبة أو تقييم منهم.

كل تفاعل يستهلك طاقة، والإنسان يدير علاقاته كما يدير ميزانية محدودة؛ يضع أفضل ما عنده أمام من يهمه رأيه، ويترك ما تبقى لمن يعتقد أنهم سيظلون بجانبه مهما حدث. هذا ليس سلوكاً سيئاً بل هو اقتصاد نفسي يعمل في الخفاء، لا يعلن عنه صاحب القرار.

المسرح الاجتماعي وفقاً لغوفمان

العالم الاجتماعي غوفمان أشار إلى أن الحياة الاجتماعية تشبه مسرحاً: هناك “المنصة الأمامية” التي نؤدي عليها أدوارنا بدقة، و”الغرفة الخلفية” التي نخلع فيها القناع ونستريح من التمثيل. المأساة أن أقرب الناس لنا هم سكان الغرفة الخلفية؛ هم يشاهدون النسخة الحقيقية لنا، بينما يحصل الزملاء والغرباء على النسخة المعدلة بعناية.

الغريب كحامل للنسخة المثالية

غالباً ما نقدم للغرباء أصدق أقوالنا؛ فكم من مسافر شارك جاره في الطائرة بأسراره التي لا يجرؤ على قولها لأهله، أو من شخص حكى لسائق أو حلاق قصة ظل يخفيها عن أسرته لسنوات؟ السبب أن الغريب لا يحمل صورة سابقة عننا ولا يستطيع استغلال أقوالنا ضده مستقبلاً، ولا يلتقي بنا في مواقف شخصية تكشف عن أسرارنا. لذا نشعر براحة أكبر في مشاركته ما نحتفظ به.

في جلسات الأزواج كثيراً ما تُسمع عبارة “الناس في الخارج لا يصدقون شكوائي”. وأحد النساء صرحت: “زملاؤه يعرفون نسخة مني لم أرها منذ عشر سنوات”. لم تكن تشتكي من سلوك شخص سيء، بل من نظام خفي يجعلها تُعامل كجزء من بقايا الإنفاق.

التعاقد مع الذات في سوق العمل

العمل الحديث يعمق هذه الظاهرة؛ فالعقود تحجز أفضل ساعاتنا عندما تكون عقولنا صافية وتطلعاتنا مرتفعة. ثم نعود إلى منازلنا بعد أن أنفقنا كل طاقتنا في إرضاء من يقيّموننا، فيحصل البيت على ما تبقى: جسد حاضر وعقل غائب وطاقة منتهية. نبيع أفضل أوقاتنا في السوق، ونعود إلى من نحب بكمية ضئيلة.

تظهر مفارقة أخرى: كلما زاد الإحساس بالأمان، قل اللطف. عندما نعتقد أن شخصاً ما سيبقى معنا مهما فعلنا، نقلل من حرصنا على اختيار كلماتنا معه، لأن اللطف يصبح جهدًا لا نرغب في بذله خوفًا من إزعاج علاقة ثابتة. من هنا يزداد القسوة تجاه من نحب، ليس بدافع الكراهية بل لأن الأمان الزائف يدفعنا إلى الإهمال.

العلاقات لا تنهار بضربة واحدة، بل تتلاشى تدريجياً على مدار الأيام التي نعتقد أنها كافية. للأسف، كثيراً ما يخطئ أهلنا في تقدير ما يتلقونه مننا، معتقدين أن ما يمنحونه هو تعبير صادق عن مشاعرهم.

الطفل الذي يلقى ردًا مقتضبًا من والده يفسر ذلك بأنه لا يُحب، والزوجة التي تسمع نبرة جافة كل مساء قد تراها تعبًا أو فتورًا. ما يُسلم كـ”بقايا” هو في الواقع رسائل تُعيد تشكيل تصورنا عن القربى، وتُصقل قناعات صامتة.

نحن نعرف هذه الديناميكيات داخلنا، لكننا نؤجل تطبيقها بوعود مثل “سأقضي وقتًا معهم عندما أرتاح”. الوقت المثالي لا يأتي أبداً، فاليوم التالي يشتري النسخة الأفضل من نفس العقد، فيتحول التعويض إلى دين لا يُسدد.

عندما يشعر الفرد أن العلاقة مهددة، يعود اللطف فجأة، تُنتقى الكلمات بحذر، يظهر صبر لم يكن موجوداً من قبل. الحب لم يتغير، بل تغير التقييم. الخوف من الفقدان يعيد القريب إلى خانة تُحسب لها حسابات خاصة، مستدعيًا الأدوات نفسها التي كنا نحتفظ بها للغرباء.

المنزل هو أول مدرسة لتعليم هذه القاعدة؛ الطفل يرى التمايل أمام الضيوف والجدال خلف الباب المغلق، ويتعلم أن للناس وجوهًا متعددة، ثم يحمل هذا الدرس إلى منزله المستقبلي. تستمر المعادلة عبر الأجيال دون أن يُدرك أحد ذلك.

في هذا السياق يبرز الحديث النبوي: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”. النبي لم يضع هذا المبدأ في المنتديات التي يُظهر فيها الجميع أفضل ما لديهم، بل في الغرفة الخلفية، حيث لا يُقَيَّم أحد. الرسالة هي: أرني حقيقتك عندما لا يكون هناك تقييم.

الدعوة ليست لتقليد الأداء أمام العائلة كما أمام الناس، فالبيت لا يحتاج إلى ممثلين. الغرفة الخلفية هي مساحة بشرية مشروعة للراحة من أدوار اليوم. ما يُطلب هو مراجعة ميزانية العاطفة، وإعطاء أفراد الأسرة نصيبًا من الانتباه والاختيار اللغوي يليق بوجودهم، لا بما نُبقيه منهم.

الوعي بهذا الاقتصاد النفسي يكسر نصف الحلقة؛ فالإضاءة على هذه الآلية تُظهر تناقضاتها. اسأل نفسك حين تواجه قريباً: “لو كان مكانه ضيفًا، هل كنت سأستخدم نفس الجملة والنبرة؟” إذا كان الجواب لا، فالمشكلة ليست في انفعالك بل في ترتيب أولوياتك.

نُعطي الغريب أفضل نسخنا لأننا نظن أنه قد يرحل، ونُعطي أقربائنا البقايا لأننا نعتقد أنهم سيبقون. الحقيقة التي تتضح متأخرة هي أن البقاء ليس صفةً في الأشخاص، بل نتيجةً للمعاملة. أكبر خسارة ليست من رحلوا، بل من الذين استمروا ينتظرون نسخة منا نعرف كيف نرسلها، بينما كنا نُرسلها إلى العنوان الخاطئ كل صباح.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *