الرئيسيةعربي و عالميالصقور الخضر: عندما تتجاوز القامة الروح...
عربي و عالمي

الصقور الخضر: عندما تتجاوز القامة الروح الوطنية في ساحات الكرة

ابتسمت للخبر لأول مرة، ليس لتقليل أهميته، بل لأنني تعلمت على مر السنين أن لا أضع ثقةً في الأرقام قبل أن أتأكد منها. رجعت إلى قواعد البيانات وتفحصت ما هو متاح من إحصاءات، فظهرت إشارة واضحة إلى أن المنتخب السعودي يحتل مرتبة من بين أقصر الفرق بين ثمانية وأربعين منتخبًا، بمتوسط ارتفاع يقترب من مئة وثمانية وسبعين سنتيمترًا.

هل الطول معيار للنجاح؟

بعد إغلاق الحاسوب، تساءلت بعمق: منذ متى قُيسَت الأمم بطول أجسادها؟ ومتى أصبح القامة معيارًا لتحديد العزيمة؟ الإنسان بطبيعة الحال ينجذب إلى المقاييس الظاهرية، يربط القوة بالحجم، والهيبة بالطول، والإنجاز بما يُرى. غير أن التاريخ، بأكثر لحظاته عدلاً، يثبت أن العظمة لا تسكن الجسد الضخم بالضرورة، ولا تُستمد البطولات من القامة فحسب، بل من الروح التي تؤمن وتكافح وتنهض.

نماذج تاريخية تتحدى القامة

الأرجنتين، التي توّجت بلقب العالم في قطر، لم تكن من بين الفرق ذات القامات الشاهقة. وأيقونتها الكبيرة، ليونيل ميسي، لم يحتاج إلى طولٍ مفرط ليعيد تعريف العبقرية الكروية في عصرنا. كان قصر القامة لكنه طويل الأثر؛ سيتناوله الحرفان، لكنه لا يعرف حدودًا عندما تتلامس الكرة مع قدميه.

تتجلى المفارقة هنا في أن بعض القامات لا ترتقي إلى القمم بارتفاعها، بل بما يخلده التاريخ من إنجازات. ولا ننسى ذلك اليوم السعودي الخالد في نوفمبر عندما واجه الأخضر الأرجنتين في كأس العالم، حين كانت التوقعات تميل إلى الجانب الآخر. لم تكن الحسابات تسمح بمساحة واسعة للحلم، لكن الملعب لا يتحدث إلا بلغة الأهداف. فاز المنتخب السعودي بهدفين لهدف، وكان الانتصار ليس مجرد فوز فريق على آخر، بل درسًا عالميًا: عندما تكون الإرادة أطول من القامة، تتلاشى الأرقام.

القامة في اللغة العربية: أكثر من مجرد طول

في اللغة العربية، كلمة “قامة” لا تقتصر على الوصف الجسدي. نقول: “فلان قامة وطنية” دون الإشارة إلى الطول، بل إلى مكانته. كذلك: “قامة علمية” أو “قامة إنسانية”، لا نعني السنتيمترات بل الأثر والهيبة والمعنى. القامة، في الوعي العربي، هي مقام قبل أن تكون طولًا، وقيمة قبل أن تكون هيئة.

لذا، لا يجوز قراءة القول بأن منتخبنا من بين الأقصر كعيب، بل يجب أن يُنظر إليه كمدخل لسؤال أعمق: أي قامة أعلى من قامة لاعب يحمل وطنًا كاملًا على كتفيه، ويدخل الميدان ممثلاً لأمة تصنع مستقبلها بثقة؟

دعم الوطن للمنتخب وتطور الرياضة في المملكة

المنتخب السعودي لا يلعب وحيدًا؛ خلفه وطن يتحرك، تقوده قيادة وضعت الطموح منهجًا، وتجاوز المستحيل ثقافة عصرٍ جديد. رؤية جعلت الرياضة جزءًا من مشروع حضاري شامل، ليست مجرد نشاط عابر. المجتمع يعيد اكتشاف جسده وحيويته وثقته، وثقافة تعشق كرة القدم عبر الأجيال، وأبطال يصعدون المنصات، ومدن تستقبل العالم، وبنية وطنية ترى في الرياضة لغة للصحة والشمولية والانتماء.

اليوم لم تعد الرياضة في المملكة جانبًا هامشًا من الحياة العامة، بل هي عنصر أساسي في مسار التحول. آلاف الفتيات يشاركن في مسابقات كرة القدم المدرسية، ومئات الآلاف من الرياضيات المسجلات يكتبن فصلاً جديدًا من الحضور السعودي، والبطولات العالمية تتدفق إلى المملكة من سباقات السرعة إلى كرة القدم، ومن التنس إلى الرياضات الإلكترونية، وصولًا إلى الحدث الأكبر: كأس العالم 2034.

استضافة هذا الحدث ليست مجرد تنظيم بطولة، بل لحظة حضارية كبرى تُظهر للعالم أن المملكة لا تكتفي بمشاهدة التاريخ بل تشارك في صناعته. إنها لحظة يلتقي فيها الملعب بالهوية، والرياضة بالثقافة، والجمهور بالضيافة، والحلم الوطني بالصورة العالمية.

الصقور الخضر: رمز يتجاوز اللاعبين

إن الصقور الخضر لا يُختزلون في أحد عشر لاعبًا يجرون خلف كرة، بل يُنظر إليهم كامتداد لمعنى أوسع. هم أبناء وطن قرر النهوض، وإعطاء الرياضة مكانها في قلب التنمية، وتحويل الشغف إلى قوة، والمنافسة إلى قيمة، والطموح إلى عادة يومية.

لا داعي للبدء بخطاب الهزيمة قبل بدء المباراة. لا ينبغي عدّ المخاوف، ولا استدعاء الخسائر، ولا منح الخصوم ما لا يستحقون من رهبة. الفريق يستحق منّا الوقوف خلفه بلغة تليق به: لغة الثقة لا الوهم، والفخر لا المبالغة، والإيمان لا الادعاء.

الكلمة التي نقولها عن منتخبنا ليست مجرد تعليق عابر، بل طاقة معنوية، ورسالة نفسية، وامتداد للإيمان الجمعي الذي كثيرًا ما يصنع ما تعجز عنه الحسابات. نعم، قد تُظهر الأرقام أننا من بين الأقصر، لكن عندما تُقرأ بوعي، تُظهر أن المجد لا يُقاس بالطول.

فازت منتخبات بالمهارة قبل القامة، وبالذكاء قبل البنية، وبالجماعة قبل الفرد. وكم من لاعب قصير غيّر تاريخ اللعبة، وكم من فريق لم يكن مرشحًا ثم صارت حكايته تُروى.

عندما يدخل الصقور الخضر ملاعب العالم، يحملون ليس أجسادهم فقط، بل وطنًا، وذاكرة، ورؤية، وجمهورًا، وأطفالًا يراقبونهم كما راقبني ابني ذلك المساء. يحملون سؤال الجيل القادم: هل نستطيع؟ وأجمل ما يقدمونه لهذا الجيل ليس النتيجة وحدها، بل الإيمان بأن المحاولة شرف، وأن الوقوف أمام العالم بثقة هو الانتصار الأول.

القامة الحقيقية لا تُقاس بالجسد، بل بما ينهض به الإنسان. فإذا كان منتخبنا من أقصر القامات، فليكن أعلى الهامات. ففي هذه البلاد تعلمنا أن المستحيل لا يعيش طويلًا، وأن الأوطان التي تؤمن بنفسها تكبر من الداخل قبل أن يراها العالم من الخارج.

وعند وقوف الأخضر تحت أضواء المونديال، سيفهم العالم أن السنتيمترات لا تصنع التاريخ؛ ما يصنعه هو القلب عندما يكون بحجم وطن.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *