الرئيسيةعربي و عالميحروب العصر الحديث.. حين يُحتسب النصر...
عربي و عالمي

حروب العصر الحديث.. حين يُحتسب النصر بعدم انهيار النظام

02/06/2026 21:00

يرى العديد من الخبراء الاستراتيجيين أن العالم المعاصر يعيش في حالة من اللاتماثل (Asymmetry) بامتياز، حيث يمر بمرحلة انتقالية بين نظام دولي لم يعد فعالاً، ونظام جديد لم يكتمل بعد. في هذا العالم، تغيب الدبلوماسية التقليدية، وتتقدم الحرب الإعلامية جنباً إلى جنب مع المعركة الفعلية لرسم صورة نصر قد لا تكون حقيقية، وتتبدل فيها نظريات النصر ذاتها.

إعادة تعريف النصر والهزيمة

ما معنى أن تعلن دولة انتصارها تحت شعار “ربحنا لأننا لم نخسر”؟ هل يُقاس النصر بناءً على فشل العدو في تحقيق أهدافه المعلنة فقط؟ وهل يتحقق النصر بمجرد عدم سقوط النظام، مهما كان الثمن الذي تدفعه الدولة والمجتمع؟

في هذا الواقع الجديد، أصبح “المعطل” (Disruptor) هو من يتحكم بديناميكية العلاقات الدولية. إنه عالم مترابط رقمياً (Digital) إلى درجة الذوبان، لكنه في الوقت نفسه متفتت فعلياً على مستوى العلاقات بين الدول وسلاسل التوريد. فماذا يعني ميزان القوى في ظل هذه المتغيرات؟ فبينما تتمثل عناصر قوة الدولة في القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية والتكنولوجية، إلا أن تكلفة الحرب أصبحت منخفضة جداً، مما يسمح لأطراف غير حكومية بالحصول على التكنولوجيا المتطورة ذات الاستعمال المزدوج (Dual use) وتحويلها إلى أسلحة فتاكة.

فن الحرب الجديد.. من التدمير إلى التعطيل

في هذا السياق، يبرز سؤال حول ماهية فن الحرب في عالم اليوم. يرى المفكر الفرنسي جيرارد شاليان في كتابه “فن الحرب الجديد” أن العالم الغربي بات بحاجة إلى فن حرب جديد، بعد أن كشف باقي العالم (المستعمر) أسرار هذا الفن ووسائله. فبدلاً من النصر المطلق الذي كان يعتمده الغرب، يقوم فن الحرب الجديد على تعطيل نظام الخصم، وإرباك إدراكه، وضرب شبكاته الحيوية بأدوات رخيصة وغير متماثلة. تنطبق هذه المعادلة بشكل أكبر على الفريق الأضعف في الحرب، بينما لا يزال الفريق الأقوى يعتمد على القوة المفرطة، إلى أن تصل الحرب إلى مرحلة الانسداد (Stalemate) إذا صمد الأضعف، حيث يصبح الحسم الشامل مستحيلاً إذا رفض الأضعف التنازل عن أي شيء.

في مقال له بصحيفة “فاينانشال تايمز” تحت عنوان “قرن الانسداد”، يرى الصحافي البريطاني جنان غانيش أن الانسداد هو سيد الموقف في عالم اليوم، حتى مع القوى العظمى: روسيا غارقة في أوكرانيا، وأميركا حائرة في الخليج، بينما تتعلم الصين الدروس من هذه التجارب لرسم استراتيجيتها تجاه تايوان. أما الفكرة الأهم فهي تتعلق بمعنى الاستقرار (Stability) في العصر الحالي، حيث لم يعد الاستقرار ينتج عن انتصار فريق على آخر كما في القرن العشرين، بل قد يرتكز على فكرة “الانسداد” أو مبدأ “لا غالب ولا مغلوب”، وقبول الأطراف بالواقع والتعايش معه كحالة طبيعية. وهذا يذكرنا بالتجربة الكورية منذ عام 1950 وحتى اليوم: منطقة عازلة ووقف نار دون معاهدة سلام، وهي تجربة يسعى البعض لتكرارها في أوكرانيا، خاصة في إقليم الدونباس.

الجغرافيا السياسية بين النظريات القديمة والواقع الجديد

تثير هذه الخلفية تساؤلات حول مدى بقاء النظريات الجيوسياسية الغربية. هل لا تزال نظرية البريطاني هالفورد ماكندر حول أهمية السهل الأوراسي (هارتلاند) قائمة؟ التي تقول بأن من يسيطر على أوروبا الشرقية يسيطر على الهارتلاند، ومن يسيطر على الهارتلاند يتحكم بمصير العالم. وماذا عن نظرية الريملاند (Rimland) للمفكر الأميركي نيكولا سبايكمان التي تقول بأن من يسيطر على الحافة الساحلية لأوراسيا يسيطر على أوراسيا ومن ثم على العالم؟

عندما أطلق الرئيس الصيني شي جينبينغ مشروعه الكوني “الحزام والطريق”، أراد الجمع بين نظريتي ماكندر وسبايكمان، مع جعل الصين مركز الثقل الأساسي. اليوم، يعاني الريملاند، الذي كان يفترض أن يشكل خط احتواء للصين، من صعود الهند وباكستان وتداعيات الحرب مع إيران. وفي الوقت نفسه، يتوطد مسار الهارتلاند بين روسيا والصين، مما يشير إلى أنه لم تعد هناك ضرورة للسيطرة على أوروبا الشرقية للسيطرة على الهارتلاند، كما نظّر ماكندر. فمعظم أوروبا الشرقية أصبحت ضمن حلف “ناتو” المترنح، وتغيرت المعادلة ليصبح البدء من شرق آسيا، وتحديداً من الصين، والتمدّد نحو أوروبا الشرقية للسيطرة على السهل الأوراسي. وقد استفادت الصين من الأخطاء الجيوسياسية للغرب بشأن توسعة الناتو والحرب الروسية على أوكرانيا. لكن يبقى السؤال: ماذا لو فُتحت طريق الشمال بعد ذوبان الجليد القطبي؟ هل ستستمر النظريات الجيوسياسية الغربية القديمة في تأثيرها؟

تماهي الخطوط في الحرب والسلم وتسارع دورة التطور العسكري

لم تعد دورة الحرب التقليدية القائمة على المستويات الاستراتيجية والعملانية والتكتيكية قائمة كما كانت. فالمُصنّع والمقاتل أصبحا معاً في الميدان، حيث يختبر المقاتل السلاح الجديد إلى جانب المهندسين والمبرمجين، مما قلّص دورة التطوير من سنوات إلى أيام وأسابيع.

هذا التحول يذكرنا بنظرية الفيلسوف الأمريكي توماس كون حول الثورات العلمية، حيث تسقط النظريات القديمة لتحل محلها نماذج فهم جديدة. وكذلك هو الحال في الحروب الحديثة، حيث لم تعد النماذج العلمية القديمة تقدم الحلول الناجعة. والعقيدة العسكرية التي ترتقي مع كل تقدم علمي تفرض على من يهمل هذا التحول دفع أثمان كبيرة، كما هو حال أوروبا والناتو بعد الإهمال الأميركي.

في عالم اليوم، انتقلت صناعة الأسلحة إلى القطاع الخاص، وأصبحت الشركات الناشئة تقدم حلولاً سريعة للعسكر. لقد أصبح العالم معسكراً بكل أبعاده (Militarized)، وتحول كل إنجاز إلى استعمال مزدوج؛ فـالذكاء الاصطناعي الذي يفترض أن يساهم في كشف الأمراض أصبح يستخدم في المسيّرات الانتحارية. ومع سقوط القوانين الدولية التي تحمي الإنسان أثناء الحرب، أصبحت المدينة الحضرية (Urban) المسرح الأساسي للحرب، كما هو الحال في غزة ولبنان، حيث تُمارس “عقيدة الأنقاض” (Rubble Doctrine) كما يصفها الخبراء العسكريون.

يصنف عالم اليوم على أنه الأكثر شفافية (Transparent) في انتشار الأفكار والتكتيكات والوسائل العسكرية، حيث يتم نقل وتعديل ما ينجح في مكان ليتلاءم مع محيط آخر.

في الختام، يبدو أن كل هذه التحولات تحدث على حساب الدولة-الأمة التي أصبحت عاجزة عن أداء مهامها الأساسية، وخاصة في مجال احتكار وسائل العنف كما بشّر ماكس ويبر. فهل نحن أمام ظاهرة “الحرب الدائمة والمنخفضة الحدّة والتكلفة”؟ وهل انضم اللاعب “المعطل” واللاعب “اللادولتي” إلى مجال العلاقات الدولية على حساب الدولة-الأمة أو كشريك لها؟

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *