الرئيسيةمحلياتالتخيل المشترك والوطنية السلوكية: مساران لتعزيز...
محليات

التخيل المشترك والوطنية السلوكية: مساران لتعزيز الهوية الوطنية السعودية

28/05/2026 01:04

الهوية الوطنية لا تُرسخ بمجرد الأقوال والشعارات، بل تتجسد من خلال أدوات تجعل هذا “التخيل” حياً وملموساً. من أبرز هذه الأدوات التعليم؛ فحين يطلع جميع الطلبة في مختلف مناطق المملكة على تاريخ موحد وقصص وطنية مشتركة، تتوحد “ذاكرتهم”. وتُعَدّ الرموز الوطنية “مكثفات” تُشعر الملايين بنشوة وطنية إيجابية في آن واحد، كما أن المناسبات الوطنية مثل “يوم التأسيس” أو “اليوم الوطني” تشكّل لحظات يتخيل فيها الجميع أنهم يقفون صفاً واحداً خلف حكاية واحدة.

من مرحلة السيولة إلى مرحلة التشكل

كان التخيل في مرحلة “السيولة” محصوراً في حدود القبيلة أو القرية، حيث يقتصر على من تربطهم صلة دم أو جيرة. أما الآن، فقد نجحت الدولة السعودية في توسيع دائرة التخيل لتشمل الخريطة الكبرى، فأصبح السعودي يرى نفسه جزءاً من “سردية كبرى” بدأت من التأسيس ووصلت إلى الرؤية المستقبلية. يُعَتَبَر التخيل المشترك “الرابطة غير المرئية” التي تجعل ملايين الغرباء يشعرون بأنهم عائلة واحدة، لهم مصير واحد، وقصة واحدة يروونها للعالم. وتزداد قوة هذا التخيل بفضل المشاريع المستقبلية، مقارنةً بالاعتماد على التاريخ وحده.

الوطنية السلوكية: من العاطفة إلى الممارسة اليومية

على صعيد آخر، يجب أن تتحول “الوطنية السلوكية” لدى الأجيال الجديدة إلى ممارسة يومية لا تقتصر على الشعارات. تحويل الوطنية من “عاطفة في القلب” أو “شعار على اللسان” إلى “سلوك في الميدان” يمثل التحدي الأكبر. فالوطنية السلوكية هي التي تحافظ على المكتسبات وتبني الحضارات. لتعزيز هذا المفهوم، يلزم اعتماد استراتيجيات تتجاوز التلقين التقليدي لتشمل “الممارسة والقدوة”.

استراتيجيات تعزيز الوطنية السلوكية

تشمل الاستراتيجيات عدة مسارات: أولاً، ربط المصلحة الخاصة بالمصلحة العامة؛ لا يمارس النشء الوطنية كفعل يومي إلا إذا أدركوا أن الحفاظ على النظام العام يعود بالنفع المباشر على جودة حياتهم الشخصية. يتحقق ذلك عندما تُحوَّل قصص النجاح الوطنية إلى مكاسب ملموسة، لتُوصل الرسالة: “عندما يزدهر وطني، تتوفر لي وظيفة أفضل، وبيئة أكثر أماناً، ومكانة دولية أفتخر بها”.

ثانياً، غرس “ثقافة الملكية”؛ يبدأ ذلك عندما يشعر الشاب أن الحديقة العامة هي “حديقته”، وأن سمعة بلده في الخارج هي “سمعته الشخصية”. يمكن تحقيق ذلك عبر برامج التطوع المجتمعي المنهجية التي تُنشئ شعوراً بالشراكة في البناء بدلاً من كون المتلقي فقط.

ثالثاً، تحويل الرموز إلى “أخلاقيات عمل” بربطها بقيم الإتقان والنزاهة والمسؤولية، فتصبح الوطنية “معياراً للجودة” في السلوك الفردي.

رابعاً، إنسانية التاريخ والقدوة؛ من خلال إبراز نماذج من المواطنين العاديين الذين قدموا سلوكيات وطنية ملهمة – كالمخترع، والمسعف، والمواطن الذي حافظ على البيئة – فالرؤية ل”قدوة حية” تمارس الوطنية في الحياة اليومية تؤثر أقوى من الخطب المتعددة.

خامساً، المواطنة الرقمية الواعية؛ بما أن الأجيال الجديدة تقضي أغلب وقتها في الفضاء الرقمي، يجب أن تشمل الوطنية السلوكية “الأخلاق الرقمية” عبر الدفاع عن الوطن بالحقائق، ونبذ الشائعات، وتقديم صورة مشرفة عن الشخصية السعودية. يُعَدّ السلوك الرقمي الرزين “خط دفاع” وطني لا يقل أهمية عن غيره.

سادساً، تفعيل مبادئ العدالة والشفافية والتنافسية الشريفة في بيئات الفرص المتاحة؛ فلا يمكن مطالبة النشء بوطنية سلوكية إذا رأوا تناقضاً في ذلك. عندما يدرك الشاب أن “النظام” يُطبق على الجميع وأن “الكفاءة” هي معيار الصعود، يولد لديه ولاء سلوكي تلقائي للنظام والقانون.

الوطنية السلوكية كعقد اجتماعي غير مكتوب

من هذه المنطلقات يتضح أن الوطنية السلوكية تستند إلى وعي مستمر بالمسؤولية واحترام جاد للنظام وبناء مؤسسي وتنمية مستدامة. إنها “عقد اجتماعي” غير مكتوب يتحول فيه الحب الفطري للوطن إلى “بوصلة أخلاقية” تُوجّه الفرد في جميع تصرفاته؛ من رمي النفايات في سلتها إلى الإبداع في أدق تفاصيل العمل الوظيفي.

وبناءً على ذلك، ينبغي أن تركز المناهج التعليمية بصورة أعمق على “الجانب السلوكي” للهوية الوطنية، وتعزيز “التخيل المشترك”، دون أن تظل محصورة في الجانب التاريخي فقط. فالتخيل المشترك يكتسب قوة أكبر من خلال المشاريع المستقبلية المشتركة مقارنةً بالاعتماد على التاريخ وحده. وهذا يُعَدّ جوهر الفلسفة الوطنية المعاصرة؛ فنحن اليوم بحاجة ماسة إلى إعادة رسم “تخيلنا” الجمعي لما يمكن أن نكون عليه في المستقبل.

التاريخ هو “الجذور” التي تمنحنا الشرعية والاستقرار، بينما تُعدّ المشاريع المستقبلية “الساق والأغصان” التي تمنحنا الارتفاع والقدرة على مواجهة الرياح. يجمعنا التاريخ على “الذكرى” الغالية، لكن الاعتماد عليها فقط قد يجعل الهوية الوطنية “متحفية”؛ نعتز بها ولا نتحرك بها. التاريخ يذكرنا بـ “من أين جئنا” لتقوية الثقة، أما المستقبل فيجمعنا على “المصير”، وتخلق المشاريع الكبرى نوعاً من التخيل المشترك أقوى وأكثر متانةً؛ لأنها تستند إلى “الكدح الجماعي”.

عندما يشعر المواطن في أي منطقة من المملكة أن نجاح مشروع “نيوم” أو “المربع الجديد” سيُحسّن جودة حياته وحياة أبنائه، يتخيل نفسه شريكا في “قصة نجاح” تُكتب الآن، لا مجرد وارث لقصة سُجّلت مسبقاً.

المشاريع المستقبلية تحول الهوية من “حالة وجدانية” (نحن نحب الوطن) إلى “حالة حركية” (نحن نبني الوطن). هذا الانتقال من هوية الذاكرة إلى هوية الطموح يجعل التخيل المشترك عابراً للأجيال والمناطق، لأنه يرتكز على “الأمل” كوقود أقوى من “الذكرى”.

المشكلة لا تكمن في “الجانب التاريخي” بحد ذاته، بل في تقديمه كقصة صماء. المنهج التعليمي الناجح هو الذي يربط التاريخ بالسلوك، بطرح سؤال: “بما أن أجدادنا ضحوا من أجل توحيد هذه الأرض، فما هو واجبي السلوكي اليوم للحفاظ على ثمار هذه التضحية؟”.

في النهاية، يُظهر رؤية “السعودية 2030” كيف يمكن للمستقبل القريب أن يمنح الهوية الوطنية ديناميكيتها وحيويتها. لذا يجب أن تتحول المناهج التعليمية من مجرد “راوية للقصص” إلى “صانعة للشخصية”؛ من “استحضار الذاكرة” إلى “بناء السلوك”؛ ومن “حفظ التاريخ” إلى “المشاركة الواعية في صناعة المستقبل”.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *