الرئيسيةعربي و عالميالهابيتوس الصحوي بين المصطلحات المتنازع عليها...
عربي و عالمي

الهابيتوس الصحوي بين المصطلحات المتنازع عليها وأثره على الأدب العربي

تجلى ما يُسمّى بـ«فوبيا المفردات» في الخطابات الرسمية التي استبدلت عبارة «المواطن/فلان الفلاني حامل الهوية الوطنية رقم…» بالصيغة «المدعو/فلان الفلاني صاحب السجل المدني رقم…». يأتي هذا التغيير متجنّباً ما يراه البعض من إشكاليات «الهوية الوطنية» التي قد تُقارن بـ«الهوية الإسلامية» في إطار ما يُعرف بالهابيتوس الصحوي.

الصراع اللغوي داخل الصحف

تجلى الصراع أيضاً على أوراق الصحف بين من يؤيدون استعمال مصطلح «الدولة المدنية» ومن يعارضونه. وصل التحكيم إلى استبدال كلمة «قانون» بـ«نظام»، رغم أن مجلة «العدل» نشرت بحثاً يوضح أن كلمة «قانون» ليست محظورة، مستشهداً بأقوال علماء أصول الفقه الأوائل.

تأثير الهابيتوس على الأدب

لم تُحدث هذه القيود تغيّراً جوهرياً في مسار الهابيتوس، بل بقت آثارها ظاهرًا في الإنتاج الأدبي. فمثلاً، قرأت رواية الأديب كريم الشمائل إبراهيم مضواح الألمعي «فراغ مكتظ»، وهي رواية تتميز بعنوانها العميق وسردها الذكي والخفيف. استمتعت بقراءتها في جلسة واحدة، غير أن عيبها الوحيد يكمن في تموضعها الواضح بين التيار الصحوي وخصومه. وعلى عكس ما يُظهره بعض التيارات التي تُعنى بـ«الأدب الإسلامي»، فإن «الوسط» لم يُظهر بوضوح في كثير من تلك الحركات خلال فترة ازدهار الخطاب الصحوي.

نقد الذات والوسطية

أُعرب عن احترام النقد الذاتي، لكن أرفض إعادة طرح مواضيع سابقة، حتى وإن جاء ذلك من كاتب مثل الغذامي في مقاله «الليبرالية الموشومة». لا يمكن مساواة موقف طه حسين من محمود شاكر بموقف الصحوة المصرية من فرج فودة، خاصةً بعد مشاهداته مع محمد الغزالي ومحمد عمارة ومأمون الهضيبي في سياق الدولة الدينية والمدنية، وما نتج عن ذلك من مشاهد مقتل فودة في الشارع.

حاولت تجنّب الربط بين المشهد المصري ومشهدنا الصحوي القديم الذي يفضّله البعض كأنّه «مستتر تحت السجادة» بدلاً من حفظ الذاكرة للأجيال القادمة، وإلا سيُلقى في «مزبلة التاريخ».

الوسط بين الصحوة والحداثة

يُظهر «الوسط» بين المخرز والعين، بين الصحوة والحداثة، أنه صُنع بيد الصحوة وتُشكل وفق متطلباتها. لا يمكن للوسط أن يستقر بين من يحول الدين إلى أيديولوجية معادية للعالم، وبين من يفضّح تلك الأيديولوجية دون أي حرج في الترحم على شخصيات مثل طلال مداح (رحمه الله) أو عبدالعزيز المقرن.

الحداثة تكشف الخرافات؛ فمثلاً مرزوق بن تنباك قضى جزءاً من عمره في نضال أُهمل اليوم، لكنه كان جزءاً من «كعب أخيل الصحوة». حينما وسّع مفهوم «السحر وتلبس الجن» إلى درجة أن يصبح القاضي محامياً لجرائم الرشوة بحجة السحر، انتهى به الأمر إلى محاكمة وعقاب بعد أن تلاشى «دجل الصحوة».

قبل ظهور الهابيتوس الصحوي، كان سكان الجزيرة العربية يعيشون على مبدأ التكافل الاجتماعي، متمثلين في المروءة والنخوة والشهامة. لم تكن هناك فنادق فحسب، بل كانت الضيافة تستند إلى بيوت بسيطة تتكون من غرفة أو غرفتين وصالة ومطبخ تُستقبل فيها الضيوف من قبل صاحب البيت وزوجته. كما كان المرضى يُستقبلون عند أقاربهم لتلقي العلاج في المنازل قبل إنشاء المستشفيات في المدن الكبيرة.

التحولات التي أدخلها الهابيتوس الصحوي لم تُعتمد على براءة الذمة أو عدالة الأمة، بل ارتكزت على تحوّطات مرضية هدمّت الجدار المتين الذي كان يُعلي من قيم «نخوة العرب وشهامتهم ومروءتهم»، كما ورد في كتاب حمزة شحاتة (1908‑1972) «الرجولة عماد الخلق الفاضل»، وما تُظهره قصيدة الماجد النبيل: «وان شلتها يا حسين تر ما بها شين… ترى الخوي يا حسين مثل الأمانة…».

إنّ رحمة الله على شهامة العرب ونخوتهم ومروءتهم التي خفت تحت وطأة الصحوة لا تزال حاضرة في الذاكرة. إنّ إدراك قوة البارادايم الذي شكّلته الصحوة في الوعي الجمعي، حتى بين المثقفين، يجعل من كلمة «حداثي» وصمةً سيئة ما زالت تُستعمل حتى اليوم.

يحتاج الكاتب إلى تلاعب لفظي لإظهار «فضيلة الوسط» كفكر حر ومستقل. ويتطلّب الاستقلال الفكري شجاعةً أمام الذات، ثمّ أمام الآخرين. فالشجاعة أمام الذات تعني «اعرف نفسك» سواءً على طريقة الإمام الغزالي (ت 1111 م) أو ديكارت (1650 م). أما الشجاعة أمام الغير فتكمن في الاطلاع على الكتب ومناقشة الأفكار في أسواق الثقافة.

في الختام، يُعبر الكاتب عن تعاطفه المختلط بالعتاب تجاه من يعيشون «وسطية العاجز الضعيف»، الذين يضعون أنفسهم بين شابة تريد المستقبل وعجوز تريد الماضي، فيتحول الشعر الأبيض إلى شاب والشعر الأسود إلى عجوز، ثم يصرخون: «ضاعت لحانا بين حانا ومانا».

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *