النجومية الرقمية بين الأوهام والمقاييس المزيفة

د. محمد العرب يوضح في مقاله أن معايير الشهرة على الإنترنت قد فقدت معانيها التقليدية. فالمشاهدات التي تصل إلى مليون لا تمثل بعد الآن دليلًا على التأثير، ولا تعكس قيمة المحتوى، كما أن عدد الإعجابات الذي قد يتجاوز مئة ألف لم يعد برهانًا على الجودة. وحتى ما يُعرف بالترند لم يعد مرآة صادقة للوعي الجمعي، بل تحول في كثير من الأحيان إلى سوق رخيصة تُباع فيها الأوهام كسلع بالجملة، وتُصنع فيها نجوم من دخان إلكتروني لا يتجاوز ذلك.
التحول إلى مرحلة خطر على الوعي البشري
يصف الكاتب هذه الفترة بأنها أخطر مرحلة في تاريخ الوعي البشري، إذ يمكن لشخص لا يمتلك مشروعًا ولا معرفة ولا موهبة، ولا تأثيرًا حقيقيًا في الواقع، أن يُصوَّر كـ “نجم العصر” بمجرد إنفاق بضع دولارات على منصات تبيع المشاهدات كما تُباع علب المياه المعدنية. ويؤكد أن الجرح الحقيقي ليس في شراء الأرقام، بل في أن جماهيراً لا تزال تُخدع بهذه الأرقام المزيفة.
الواقع وراء الأرقام المتضخمة
يشير المؤلف إلى أن هناك من يظن أن حسابًا يملك ملايين المتابعين يعني أنه مؤثر، في حين أن نصف المتابعين قد يكونون روبوتات، والنصف الآخر مجرد متابعين عابرين لا يتذكرون الاسم بعد دقائق قليلة. وقد أصبحت الشهرة الرقمية اليوم أشبه بـ “مكياج إلكتروني” يخفي الفراغ أكثر مما يكشف الحقيقة.
من العمل الجاد إلى الهلة الاصطناعية
في الماضي، كان الوصول إلى الجماهير يتطلب سنوات من الجهد والموهبة والخبرة والصبر والرسالة. أما الآن، فمراهق يملك بطاقة مصرفية يستطيع أن يشتري لنفسه “هالة زائفة” خلال ساعات قليلة. وقد نشأت شركات متخصصة فقط لتضخيم الأرقام: مشاهدات، إعجابات، تعليقات، متابعين، إعادة نشر، وحتى “تفاعل اصطناعي” يُصمم بدقة ليمنح انطباعًا بوجود ظاهرة جماهيرية حقيقية.
قيمة الأرقام مقابل التأثير الحقيقي
يتساءل الكاتب عن ما سيحدث بعد الأرقام. فكم من حساب يملك ملايين المتابعين لكنه لا يستطيع إقناع مئة شخص فقط بفكرة حقيقية؟ وكم من “مشهور” لا يستطيع ملء قاعة صغيرة دون دعم إعلانات ممولة؟ وكم من صانع محتوى يصرخ أمام الكاميرا بينما تأثيره الواقعي يساوي صفرًا؟ يصف هذا التضخم الرقمي بأنه مشابه للعملات المنهارة: أرقام كبيرة، وقيمة فعلية شبه معدومة.
تشير الملاحظة إلى أن بعض المنصات تحولت إلى مصانع لإنتاج “المؤثر الوهمي”؛ شخص يرقص أو يثير الجدل أو يختلق الفضائح أو يتصنع الحكمة الرخيصة، ثم يصبح فجأة “أيقونة” ليس لأنه أضاف شيئًا للإنسانية، بل لأنه استغل خوارزميات الانتباه السريع. وهنا تكمن الكارثة: لم تعد القيمة تقاس بالعمق، بل بسرعة الانتشار، ولم يعد النجاح مرتبطًا بالتأثير الحقيقي، بل بعدد النقرات التي يمكن شراؤها عبر حملات ممولة.
تأثير الوهم على الأجيال والشركات
يحذر الكاتب من أن هذا الوهم يصنع تصورات مشوهة لدى الأجيال الجديدة؛ فالشباب يظنون أن النجاح يعني صورة فاخرة وعدد متابعين ومقاطع مستفزة، بينما الواقع يكشف عن هشاشة نفسية وفراغ داخلي واعتماد مرضي على جرعات الإعجاب اليومية. وهم بذلك يصبحون أسرى الشاشات أكثر من كونهم صُنّاع مجد.
كما أن الشركات أحيانًا تُصبح ضحية لهذه الخدعة؛ بعض العلامات التجارية تدفع آلاف الدولارات لمؤثرين يملكون أرقامًا ضخمة، لتكتشف لاحقًا أن المبيعات لم تتغير، وأن الجمهور الحقيقي غائب، وأن ما حدث كان مجرد ضجيج إلكتروني بلا روح. فالتأثير الحقيقي لا يُشترى بسهولة، والثقة البشرية أعمق من لعبة الأرقام.
الهندسة النفسية الرقمية والختام
يصف الكاتب العصر الحالي بأنه عصر “الهندسة النفسية الرقمية”؛ حيث تُضخم شخصيات وتُخفى أخرى وتُصنع موجات جماهيرية مصطنعة، حتى يصبح الإنسان العادي عاجزًا عن التمييز بين النجاح الحقيقي والنجاح المصنع داخل مختبرات الخوارزميات. وهذا ما جعل الرداءة أكثر جرأة والسطحية أكثر حضورًا، بينما يتراجع أصحاب الفكر الحقيقي الذين لا يجيدون الصراخ.
رغم كل ذلك، يظل هناك مبدأ ثابت: الوهم قد يشتري الانتباه، لكنه لا يشتري الاحترام. يمكنك شراء مليون مشاهدة، لكن لا يمكنك شراء تاريخ. يمكنك شراء متابعين، لكن لا يمكنك شراء أثر حقيقي في ذاكرة الناس. فالزيف يلمع سريعًا لكنه يبهت سريعًا، أما القيمة الحقيقية فتبقى حتى وإن تم تهميشها مؤقتًا.
يحذر الكاتب القارئ من الانجراف وراء الأرقام، مشبهًا العالم الرقمي بمدينة مليئة بالمرايا تجعل كل شيء يبدو أكبر مما هو. فالنجومية لم تعد دليل عظمة، والانتشار لم يعد دليل صدق، والتفاعل لم يعد دليل إعجاب. نحن نعيش زمنًا يمكن فيه للوهم أن يرتدي ثوب الحقيقة ويجلس على عرش الشهرة لفترة، لكنه يظل وهماً مهما طال العرض.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



