الإعلام بين الرسالة والسلعة: تحليل لتحول المهنة

التحول من الرسالة إلى السلعة
منذ سنوات أتابع تفاصيل الإعلام عن كثب، أعمل فيه وأرى يومياته. في السابق كانت الصحيفة أو القناة تفخر بمصداقيتها وتضعها أمام كل اعتبار آخر. اليوم تغيرت المعادلة، فأصبح الإعلام تجارة لها سوق وعرض وطلب، ويبحث الزبون عن المشاهدة والانتشار أكثر من الحقيقة.
معايير النجاح الجديدة: المشاهدة والانتشار
المقياس الحالي للنجاح لم يعد قيمة المحتوى بل عدد النقرات ووقت المشاهدة. العناوين تُصمم خصيصاً لجذب النقرة، والمحتوى يُبنى على الإثارة لا على الفائدة، لأن المعلن يريد أرقاماً والمنصة تريد بقاء المستخدم متصلاً أطول وقت ممكن. في هذا الزحام أصبح الجمهور نفسه هو السلعة التي تُباع وتُشترى.
التوازن بين المصداقية والاستدامة
أنا جزء من هذا المشهد، وأدرك من الداخل مدى رقة الخط بين من يصنع محتوى لخدمة فكرة ومن يصنعه لخدمة رقم في تقرير أداء. المعلنون يسعون للوصول الأوسع، والمنصات تكافئ ما يبقي المستخدم متصلاً، وبين هذا وذاك يضيع أحياناً السؤال عما نقدمه للمتابع وهل نضيف له شيئاً أم نستهلك وقته فقط. التجارة نفسها ليست عيباً، فالإعلام يحتاج تمويلاً للاستمرار، ولا حرج في أن يربح من يقدم قيمة حقيقية. المشكلة تبدأ عندما تصبح التجارة الهدف الوحيد وتتراجع الرسالة إلى الخلف، فيتحول صاحب المحتوى من حامل قضية إلى تاجر يبحث عن أفضل سعر لكلماته وصوره وأفكاره. الجمهور أصبح أذكى مما نعتقد، يميز المحتوى الصادق من الإعلان المقنع بثوب آخر. من يستطيع أن يوازن بين الحاجة للاستمرار المالي واحترام عقل المتابع هو من سيبقى طويلاً في هذا المجال، لأن الثقة التي تُبنى بالصدق مع الوقت هي رأس المال الحقيقي الذي لا يُشترى بالمال.






