لماذا نكرر نفس الأخطاء؟ قراءة في التحيز الذاتي

التحيز لصالح الذات وآثاره
يلاحظ كثيرون أن الأشخاص يروون قصصاً عن خلافات يمرون بها ويصوّرون أنفسهم دائماً كطرف محق، بينما يلومون الآخرين أو الظروف. الموظف الذي يُفصل من أكثر وظيفة يتحدث عن مدراء ظالمين وبيئة عمل سلبية ولا يذكر أي دور لخطئه. الصديق الذي يبتعد عن كثير من المعارف يشعر بأنه الضحية الدائمة والأكثر عقلاً، ويظن أن الجميع أخطأوا ضده. والمطلق بعد زواجين يلقى اللوم بالكامل على الشريك الآخر، والعكس يحدث أيضاً. يبدو كما لو أن هؤلاء خلقوا معصومين عن الخطأ، وأن الناس вокругهم هم seuls الذين يخطئون بحقهم دون انقطاع.
الدليل الرياضي والاجتماعي
ما يثير الانتباه هو تكرار النمط نفسه ومع ذلك لا يطرح الشخص السؤال البديهي: إذا كنت أنا المحق في كل هذه المواقف فلماذا تتكرر النتيجة ذاتها؟ الاحتمال الرياضي يكفي لإظهار أن الاستمرار في نفس النمط يشير إلى أن العامل المشترك هو الشخص نفسه، وليس الظروف الخارجية. لكن توجيه هذا السؤال إلى الذات هو الأصعب، لأن الإجابة تعني الاعتراف بأن البطل الذي صُنع في الرواية الداخلية ليس بطلاً حقيقياً.
العلاج عبر الاعتراف والحديث النبوي
يسمي علماء النفس هذه الظاهرة “التحيز لصالح الذات”؛ أي أن العقل ينسب النجاح إلى الصفات الشخصية ويُنسب الفشل إلى العوامل الخارجية أو إلى سوء نية الآخرين. هذا التحيز يعمل كآلية دفاع تحمي صورة الإنسان عن نفسه من الانهيار المؤلم، لكنه في الوقت نفسه يحرمنا من أقوى أداة للتطور: رؤية دورنا الحقيقي فيما يحدث لنا. وأكبر خطر في هذا النمط هو حرمان صاحب من فرصة الإصلاح المتكررة؛ فمن يعترف بخطئه يحمل درساً إلى الموقف القادم، بينما من يلقي اللوم دوماً على الآخرين يحمل نفس النسخة غير المعدلة، ويصطدم بالنتيجة نفسها ويتساءل مرة أخرى: لماذا يحدث لي هذا دائماً؟ الجواب الذي يرفض سماعه هو أن العنصر الثابت في كل القصص هو هو نفسه.
هذه الظاهرة مرتبطة بجوانب دينية وتربوية واجتماعية متشابكة. ومن أعمق ما يعالجها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». الإنسان يميل إلى إعطاء نفسه أعذاراً لا حصراً، يسبع عذراً بلا تردد، بينما يطبق الحديث الحقيقي يلزمنا بأن نعطي الآخرين نفس العذر الذي نعطيه لأنفسنا، لا أن نحتفظ بالأعذار لجانبنا ونحمل الطرف الآخر كل الذنب.
مقياس صدق الإنسان مع نفسه هو أن يعيد النظر في خلافاتهم المتكررة ويسأل بمصداقية ما نصيبه هو من هذا النمط، وليس ما نصيب الآخرين. من يظل يسقط في نفس الحفرة ويُلوم الطريق فقط، يجب أن يدرك أن المشكلة ليست في الطريق. ومن يملك الشجاعة ليقول «خطئت هنا فعلاً» هو وحده الذي يملك فرصة حقيقية لتجنب تكرار الخطأ نفسه في القصة القادمة.






