نسب التوطين والمحتوى المحلي في الصناعات العسكرية السعودية تسجل أرقاماً قياسية

نسب التوطين والمحتوى المحلي في الصناعات العسكرية السعودية تسجل أرقاماً قياسية

لطالما ارتبطت صفقات التسليح في الشرق الأوسط بصورة نمطية واحدة: وفود تتوجه إلى عواصم غربية، وتوقيع عقود بمليارات الدولارات، ثم انتظار وصول معدات جاهزة مع اعتماد شبه كامل على خبراء أجانب للصيانة وقطع الغيار. لكن المشهد الذي شهده ملتقى الصناعات العسكرية في الرياض حمل لغة مختلفة تماماً، لغة تقوم على أرقام وطنية وتصنيع ملموس.

أعلنت الهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI) أن نسبة توطين الإنفاق العسكري بلغت 27.30% بنهاية عام 2025، متجاوزة المستهدف السنوي البالغ 24%. في الوقت نفسه، سجل مؤشر المحتوى المحلي نسبة 40.91%. هذان الرقمان لا يمثلان مجرد إحصاءات، بل يختصران قصة تحول كبير يجري بهدوء داخل الورش والمختبرات وقواعد الدفاع، ويعيدان رسم علاقة المملكة مع كبرى شركات السلاح العالمية.

ما الفرق بين توطين الإنفاق والمحتوى المحلي؟

قد يبدو وجود رقمين مختلفين (27.3% و40.9%) محيراً لغير المتخصصين، لكن الفارق بينهما جوهري ويعكس عمق ما يجري في تفاصيل العقود والمصانع. يجيب مؤشر توطين الإنفاق العسكري عن سؤال: أين ذهبت أموال الصفقات؟ فهو يقيس حصة الشركات والمصانع المسجلة والمرخصة داخل السعودية من إجمالي ميزانية الشراء العسكري. عندما تشتري القوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية معدات أو خدمات، ينظر هذا المؤشر إلى الفواتير لمعرفة ما إذا كانت مدفوعة لكيان داخل الحدود أم حولت إلى مورد في الخارج. وصول هذه النسبة إلى 27.30% يعني أن أكثر من ربع ميزانية المشتريات العسكرية استقر داخل السوق المحلي.

أما مؤشر المحتوى المحلي فيجيب عن سؤال أعمق: ما القيمة الفعلية المصنوعة بأيدٍ وموارد سعودية داخل تلك العقود؟ تحت إشراف هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية، لا يكفي أن تكون الشركة مقيمة في المملكة، بل تفحص تفاصيل العقد: كم دفع من رواتب لمهندسين وفنيين سعوديين؟ كم استهلك من حديد وألمنيوم وبلاستيك من مصانع وطنية؟ وكم أنفق على الآلات ومختبرات البحث والتطوير داخل الأراضي السعودية؟ هنا يبرز التفسير؛ النسبة الأولى (27.30%) تحسب من إجمالي الفاتورة العسكرية الشاملة للدولة، والتي لا تزال تتضمن شراء منظومات كبرى ومعقدة من الخارج يصعب تصنيعها فوراً، مثل مقاتلات الجيل الخامس المتقدمة، وهو ما يجعل النسبة الإجمالية عند حدود الربع. أما النسبة الثانية (40.91%)، فهي ترصد العقود والمشاريع التي جرى توطينها محلياً؛ إذ أظهرت النتائج أن أكثر من 40% من قيمة هذه العقود تحولت إلى قيمة مضافة حقيقية استقرت في جيوب الكفاءات الوطنية ومصانع المواد الخام ومراكز التدريب.

من 4% إلى 27%: مسيرة التوطين

لفهم حجم القفزة، يجب العودة بالذاكرة إلى عام 2018، حين كانت نسبة التوطين في قطاع الدفاع لا تتجاوز 4% فقط، ولم تكن المملكة تمتلك سوى 5 منشآت مرخصة تعمل في هذا المجال. كان الهدف الأساسي المعلن في رؤية السعودية 2030 طموحاً: توطين ما يزيد على 50% من الإنفاق العسكري بحلول نهاية العقد. ومنذ ذلك الحين، بدأت المؤشرات تتصاعد سنوياً. في 2019 صعدت النسبة إلى 7% متجاوزة مستهدف 6%، وفي 2021 بلغت 11.7% متخطية مستهدف 9%، وفي 2023 قفزت إلى 19.35% متجاوزة مستهدف 15%، لتصل في 2025 إلى 27.30% متجاوزة المستهدف المخطط له البالغ 24%.

هذا المسار المتصاعد لم ينعكس فقط على نسب التوطين، بل ترجم إلى واقع اقتصادي ومجتمعي ملموس. ضخ القطاع العسكري نحو 7.468 مليار ريال بشكل مباشر في الناتج المحلي الإجمالي بنهاية عام 2025، كما ارتفع عدد العاملين في القطاع من 34 ألفاً إلى 49 ألف موظف، بإضافة 15 ألف وظيفة تخصصية جديدة، وبلغت نسبة السعودة في هذا القطاع التقني نحو 56%. وارتفعت فاتورة تعويضات وأجور العاملين السنوية في المنشآت الدفاعية من 4.3 مليار ريال في 2024 إلى 5.2 مليار ريال في 2025، بزيادة ناهزت 900 مليون ريال ذهب معظمها لكفاءات وطنية شابة. وتحول القطاع من 5 شركات فقط عند التأسيس إلى 344 منشأة مرخصة ومصرح لها بنهاية الربع الثالث من 2025، تدير مجتمعة أكثر من 603 تراخيص تشمل التصنيع العسكري، وتوريد المعدات، وتقديم الخدمات الفنية.

من يصنع ماذا؟ أبرز المنتجات العسكرية السعودية

لم يعد الحديث عن التصنيع العسكري مجرد شعار، بل تحول إلى خطوط إنتاج ومنتجات عسكرية تتسلمها القوات المسلحة يومياً، ضمن أكثر من 140 قدرة صناعية وخدمية متطورة تم بناؤها في المملكة. في البحر، تمثل سفن مشروع السروات الخمس شاهداً بارزاً؛ حيث استكملت السعودية بناء وتجهيز واختبار الأنظمة القتالية لسفينة جلالة الملك عنيزة بالكامل داخل القواعد البحرية الوطنية. الأهم من بناء الهيكل هو العقل المدبر للسفينة؛ إذ دشن نظام حزم (HAZEM)، وهو أول نظام سعودي بالكامل لإدارة العمليات والمعارك البحرية طورته عقول وطنية في شركة سامي نافانتيا، وتلاه إطلاق نسخة حزم لايت للسفن والزوارق متوسطة الحجم، ما يعني أن التوجيه والاشتباك البحري باتا يداران ببرمجيات سعودية خالصة.

في الجو والدفاع الصاروخي، وفي قفزة نوعية غير مسبوقة، وافقت الهيئة على توطين تصنيع مكونات حساسة لمنظومة الدفاع الجوي الصاروخي ثاد (THAAD) بالتعاون مع شركة لوكهيد مارتن الأمريكية، حيث تصنع الشركات الوطنية (مثل سامي والشركة الوطنية للأنظمة الميكانيكية NCMS) منصات إطلاق الصواريخ وحاويات التخزين والإطلاق الميدانية محلياً. وبالتوازي مع ذلك، أصبحت صيانة وتجديد رادارات وصواريخ منظومة باتريوت الاعتراضية تتم داخل ورش صيانة سعودية وبشراكة تقنية مع شركة ريثيون. على الأرض، خرجت إلى الميدان أساطيل من العربات المدرعة التكتيكية رباعية الدفع محلية الصنع مثل مدرعتي الدهناء وطويق، والتي تتميز بملاءمتها للبيئة التضاريسية الصحراوية القاسية ومجهزة بأبراج رماية وتحكم مؤتمتة، ودروع حديدية مصنعة ومجمعة محلياً. في الجو والإلكترونيات، تنتج المصانع السعودية طائرات مسيرة بدون طيار لمهام الاستطلاع التكتيكي، إضافة إلى أجهزة اتصال لاسلكية عسكرية مشفرة، وأنظمة تشويش وحرب إلكترونية. ويستحوذ قطاع الإلكترونيات والاتصالات الدفاعية وحده على نحو 30% من إجمالي الأنشطة الموطنة في المملكة.

الاقتصاد المحلي المستفيد من التصنيع العسكري

لا تنحصر أموال الدفاع داخل ثكنات الجيش أو خزائن كبريات الشركات، بل تنساب كشريان حيوي يغذي عدة حلقات صناعية متصلة بالاقتصاد المدني. شجعت عقود منصات صواريخ ثاد وهياكل المدرعات مصانع المعادن الوطنية على تحسين معايير الجودة لتنال شهادات التصنيع الفضائي والعسكري العالمية (AS9100)، لإنتاج قطع ميكانيكية فائقة الدقة. ويستفيد المبرمجون ورواد الأعمال الرقميون من عقود الأمن السيبراني وتأمين الاتصالات والذكاء الاصطناعي التي تدعمها الهيئة العامة للتطوير الدفاعي (GADD)، لضمان خلو الأسلحة من أي ثغرات أو تحكم خارجي. باتت محركات طائرات المقاتلات (F-15 وتورنادو) وطائرات النقل العسكري تفكك وتصان وتختبر في مرافق محلية مثل مرافق شركة الشرق الأوسط لمحركات الطائرات وشركة GDC، بعد أن كانت تشحن بحراً وجواً إلى مصانعها الأصلية في الغرب بتكاليف باهظة وأوقات انتظار طويلة. كشفت جوائز التميز العسكرية عن بروز شركات سعودية متوسطة باتت تزود الجيش بالمنتجات المتخصصة كقطع الغيار الدقيقة والتجهيزات والجلديات، مثل شركة قدرة الصناعية وشركة أضواء النماء والشركة السعودية للصناعات الجلدية.

وضعت الهيئة العامة للصناعات العسكرية دليلاً ملزماً لاستمرارية الأعمال يطبق المعيار الدولي (ISO 22301:2019)، لضمان امتلاك المصانع المحلية لمخزون استراتيجي وبدائل تصنيعية فورية تقيها شلل سلاسل الإمداد العالمية عند حدوث أزمات جيوسياسية أو نزاعات دولية مفاجئة.

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *