سالم: بلدة تراثية تُعيد تعريف السياحة الثقافية في منطقة عسير

على مسافة 120 كيلومتراً جنوب غرب أبها، تقع بلدة سالم، واحدة من أقدم التجمعات البشرية في منطقة عسير، والتي تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى وجهة سياحية رائدة تجمع بين التراث العُمرياني الأصيل والطبيعة الخضراء المتميزة. وقد شهدت البلدة، خلال العامين الماضيين، نمواً استثنائياً في عدد الزوار، حيث سجّلت أكثر من 230 ألف زائر في عام 2023 وحده، وفقاً للإحصائيات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للسياحة.
تتميّز سالم ببيوتها الحجرية المبنية وفق تقنيات هندسية قديمة، وشوارعها الضيقة المبلّطة بالحصى، وقنوات المياه العذبة التي تُغذيها منابع طبيعية لا تنضب، وهي نفس الميزات التي جعلتها تُدرج في قائمة اليونسكو للتراث الإنساني كجزء من “القرى الحجرية بعسير” عام 2020. وبحسب مدير إدارة التراث الثقافي بمنطقة عسير، الدكتور حسن بن عبدالله العسيري: “سالم ليست مجرد مجموعة من المنازل القديمة، بل هي وثيقة حية تروي قصص جيلٍ عاش في توازنٍ تام مع الطبيعة، وصانعٍ لحضارةٍ لم تُكتب بحبرٍ بل بحجارةٍ وسُبلٍ وأدواتٍ يدوية”.
ومنذ إطلاق مشروع “إحياء التراث السّعدي” في عام 2021، استثمرت الهيئة العامة للسياحة أكثر من 180 مليون ريال في ترميم 127 مبنىً تاريخياً، وإعادة تأهيل شبكة الصرف الصحي والمياه، وإنشاء مراكز تراثية ومتاحف ميدانية، وتدريب 320 شاباً وشابةً على مهارات الضيافة والحرف اليدوية. ونتج عن ذلك زيادة بنسبة 180% في عدد الوظائف المباشرة والغير مباشرة في البلدة، وفقاً لتقرير مركز الإحصاءات العامة لعام 2023.
الزائر اليوم لا يرى فقط بيوتاً قديمة، بل يختبر حياة أهلها الأصيلة: من تذوّق أطباق “السَّمّك” المُحضّرة بالسمن البلدي والبهارات المحلية، إلى مشاهدة صناعة الفخار يدوياً بحفرة ماء واحدة، وسماع أهازيج المزمار التي تُعزف في المناسبات. وتكشف بيانات الهيئة عن أن 92% من الزوار يُعيدون زيارة سالم خلال عام، و76% يوصون بها لغيرهم، وهو أعلى معدل توصية بين جميع الوجهات السياحية في منطقة عسير.
وتشير التسلسل الزمني للتطوير إلى أن البلدة كانت في حالة تدهور ملحوظ قبل عام 2020، حيث لم يكن يسكنها سوى 35 أسرةً، بينما تجاوز عدد السكان الدائمين الآن 110 أسرةً، مع تدفق مئات العائلات من أبناء المنطقة للاستثمار في القطاع السياحي. وشهدت نهاية عام 2023 افتتاح أول فندق تراثي مُتكامل مبني من الحجر والخشب، يُقدّم تجربة إقامة تجمع بين الأصالة والراحة الحديثة، بسعة 48 غرفة.
في ختام هذا المسار التحويلي، تُعدّ سالم نموذجاً ناجحاً لدمج الحفاظ على التراث مع تنمية اقتصادية مستدامة، حيث لم تُهدم قطعة حجر واحدة، بل أُحييَت بروحها الأصيلة. إنها ليست مجرد وجهة سياحية، بل متحفٌ عمليٌّ يروي قصة إنسان عسير، الذي حفظ تراثه بعزمٍ، وفتحه للعالم بكرامة.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اخبار تهمك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *