الرئيسيةمحلياتمن «المزند» إلى «المكمم».. الأزياء النسائية...
محليات

من «المزند» إلى «المكمم».. الأزياء النسائية مرآة تنوع التراث السعودي

24/09/2026 09:00

ليست الذاكرة المكانية بحاجة دائمة إلى السجلات المكتوبة لتبقى حاضرة؛ ففي الملابس النسائية التقليدية داخل المملكة، يحمل النسيج وحده دلالات عن الطبيعة والمجتمع والعادات والمناسبات التي ترعرعت فيها. فاختلاف الألوان والمواد الخام، وتنوع القصات وأساليب الزخرفة، لم يكن مجرد تباين شكلي، بل تجسيدًا لخصوصية كل منطقة وما تراكم لديها من خبرات في حياكة الأثواب وتجميلها.

ومن قلب البلاد حتى مكة والمدينة، ومن الساحل الشرقي والشمال إلى عسير والباحة وجازان ونجران، تتعدد الأسماء والأنماط، وتتباين معها طرق التفصيل والزخرفة وطرق الاستعمال. وبين زي يُرتدى في اليوم العادي وآخر يُحفظ للاحتفالات والمناسبات، بقيت الأزياء التقليدية وسيلة لحفظ مهارات الحرفة وذاكرة المجتمع، جنبًا إلى جانب وظيفتها في تلبية احتياجات المرأة وإظهار خصوصية المكان.

الوسطى ومكة والمدينة.. تعدد في القصات والزخارف

في الجزء الأوسط من المملكة، تميزت ملابس النساء بتعدد أشكالها، ومن ضمنها ثوب «المنيخل» الواسع ذي الأكمام الضخمة، وثوب «المشلل» الذي يجمع بين الرحابة والخفة والزينة، وكان يوضع فوق الثوب المعتاد، واشتهر منه اللونان الأحمر القاتم والأسود.

كما انتشرت الدراعة لدى نساء المنطقتين الوسطى والشمالية، وتنوعت أشكالها وأسماؤها، ومنها الدراعة الهندية، ودراعة أم وردة التي نالت اسمها من تطريزات الورد التي تحليها، إضافة إلى دراعة الزري، ودراعة كيت، ودراعة كيناوي، ودراعة قرمز، ودراعة أم تفت.

وفي مكة المكرمة، اقترن لباس النساء بأنماط العيش والمناسبات والاحتفالات، وظهر التطريز بوصفه أحد مقوماته الأساسية، بما يكشف مهارة المرأة في صنع الثوب وتزيينه. وامتاز الثوب باتساعه واختلاف أقمشته، ومنها قماش «الدوت» المنقوش بألوان متعددة والمزخرف بالحرير والفضة، وقماش «القرقوش» الأحمر الذي يزين بالأسود عند أطرافه ووسطه.

أما المدينة المنورة، فبرزت فيها «الكرتة»، وهي ثوب يمتد من العنق حتى القدمين بأكمام طويلة، وتتنوع خاماته وألوانه. وارتبط اختيار الألوان في بعض أنواع اللباس بعمر من ترتديه؛ فظهرت الألوان الهادئة لدى المسنات، بينما ارتدت الفتيات الكرتة الحريرية ذات الألوان الجذابة.

ومن بين ملابس العروس في المدينة «الشرعة المديني»، وهو ثوب وردي غامق تتعدد تصاميمه، ويتزين بخيوط ذهبية من القصب والكنتير.

الشرقية والشمال.. أزياء تعكس البيئة المحلية

في المنطقة الشرقية، غلب على معظم الملابس النسائية التقليدية الطول والرحابة، وتنوعت بين أثواب الحياة اليومية والأزياء الأكثر زينة التي ترتدى في المناسبات. ومن أبرزها الدراعة، والثوب الهاشمي، والمسرح، والمنثور، وثوب الثريا.

وتأتي الدراعة بوصفها ثوبًا طويلًا ساترًا تختلف مواد صنعها وتصاميمها وفق الغرض من ارتدائها؛ فمنها ما يحاك من أقمشة خفيفة تسهل التنقل اليومي، ومنها ما يصنع من خامات أثقل ويزين للمناسبات. أما الثوب الهاشمي فيمتاز بطوله واعتداد اتساعه وطول أكمامه، وكان يرتدى للزينة فوق الثياب المعتادة، وتزينه الخيوط الذهبية والحرير.

ويمتد هذا التنوع إلى مناطق حائل والجوف والحدود الشمالية وتبوك، حيث اقترنت الملابس التقليدية بخصوصية البيئات المحلية. ومن الأزياء المعروفة «ثوب المرودن»، الذي يغطي كامل الجسد، وتتميز أكمامه بشكل مثلث وبطول يبلغ الأرض.

وفي الجوف، امتاز اللباس بالاتساع، واستخدمت في تفصيله أقمشة الحرير والقطن والصوف، وزينت بخيوط من هذه المواد، جنبًا إلى جانب المعادن والخرز. ومن أبرزها «المحوثل»، وهو ثوب طويل اكتسب اسمه من طيه عند الخصر، و«الشرش» أو «المدقة»، وهو ثوب فضفاض يصل إلى الكعبين بأكمام طويلة، ويوضع فوق المحوثل، إلى جانب «الزبون» الذي يرتدى في الأفراح والمناسبات عندما يكون مزخرفًا.

وفي تبوك، يعد الفستان من أبرز الملابس التقليدية للمرأة، وهو ثوب طويل يغطي كامل الجسد بأكمام طويلة، وتختلف ألوانه بحسب سن المرأة؛ إذ ارتبطت الألوان الفاتحة بالمسنات، فيما ارتبطت الألوان الزاهية بالصغيرات.

وعرفت المنطقة أيضًا «الصديرية» التي تغطي الجزء العلوي من الجسد، وتكون مفتوحة من الأمام ومزودة بأزرار ذهبية، إلى جانب السروال المصنوع من القماش القطني المخطط بألوان داكنة أو من القماش الأسود.

أما الحدود الشمالية، فتوزعت أثواب المرأة بين لباس الزينة واللباس المعتاد، ومن أبرزها «المقطع» و«المسرح» و«الكرتة». ويتسم «المقطع» بالبساطة لدى المسنات، بينما تزينه الفتيات بالتطريز على الصدر والأكمام، ويصنع «المسرح» من الحرير وتزينه خطوط من القصب تمتد من أعلاه إلى أسفله، في حين يتميز «الكرتة» بخصر محدد وكسرات تمتد من الوسط إلى الأسفل.

الجنوب.. الذهب والفضة والألوان الزاهية

وفي جنوب المملكة، تظهر بصمة البيئة المحلية في تفاصيل الملابس بوضوح أكبر. ففي عسير، غلب على ملابس النساء استخدام الأقمشة المزينة بالخيوط الذهبية أو الفضية، وامتدت التطريزات على كامل الثوب أو نصفه.

وعرف الثوب العسيري قديمًا باسم «المزند»، وكان يصنع من الحرير الأسود ويزين بالخيوط الذهبية والفضية، وتعددت أسماؤه بحسب مقدار الخيوط المحاكة فيه، ومن بينها الشبكة، والتلوة، والعارضي. ولا يزال هذا الزي حاضرًا في المنطقة، مع ظهور تصاميم حديثة حافظت على هويته الأصلية.

وفي الباحة، غلب اللون الأسود على ملابس النساء التقليدية قديمًا، وكان الثوب يفصل بصورة واسعة، ثم تتولى المرأة تزيينه يدويًا حول منطقة الصدر وعلى الجانبين. ومن أبرز أزيائها «الثوب المشال»، المصنوع من خامة جيدة والغني بالتطريز والزينة، وكانت المرأة تحتفظ به لارتدائه في المناسبات والأفراح والأعياد.

أما جازان، فقد انعكس تنوع بيئاتها الساحلية والجبلية والسهلية على تقاليد اللباس، ومن أشهر ملابس المرأة فيها «الكرتة» المطرزة يدويًا، التي يرتدى تحتها سروال طويل مقلم. كما عرفت المنطقة أنواعًا قطنية غير مطرزة، بينما تميزت أثواب الفتيات الصغيرات بالألوان الزاهية والتطريزات الملونة، ومنها التطريز بالأصفر والأحمر.

وفي نجران، اشتهر لباس «المكمم»، وهو ثوب أسود طويل واسع الأكمام، يزين حول الخصر والصدر، وكان يرتدى تحته ثوب أبيض بأكمام طويلة، ليشكل أحد النماذج المميزة لأزياء النساء التقليدية في المنطقة.

حرفة تحفظ ذاكرة المكان

وراء هذا التنوع الكبير في الأسماء والتصاميم، تقف معرفة متوارثة تتجاوز حدود المظهر الخارجي للثوب؛ فهي تشمل اختيار الخامات، وتنسيق الألوان، وأساليب القص والخياطة، وطرق التطريز والزخرفة.

ومن الحرير والقطن والصوف إلى الخيوط الذهبية والفضية والخرز والقصب، تكشف تفاصيل كل زي عن مهارات حرفية انتقلت عبر الأجيال، وعن علاقة وثيقة بين الملابس والبيئة التي نشأت فيها، وبين الزي والمناسبة التي خصص لارتدائها.

وهكذا لا تبدو الأزياء النسائية التقليدية مجرد ملابس من زمن مضى، وإنما صفحات حية من الذاكرة الثقافية للمملكة؛ تحمل في أسمائها وألوانها وخاماتها وتفاصيلها حكايات المناطق ومجتمعاتها، وتحافظ في الوقت نفسه على جانب من المهارات الحرفية التي شكلت جزءًا من الحياة اليومية والاحتفالات والأفراح عبر أجيال متعاقبة.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *