سالم: بلدة تاريخية تُحيي تراثها وتُعيد تعريف هويتها في قلب الصحراء
في قلب منطقة نجران، على مشارف الصحراء الرحبة، تقع بلدة سالم، التي تنبض بتراثٍ عريقٍ يمتد لقرون، وتُعدّ اليوم نموذجاً حياً للتحول التنموي المستدام في المناطق الداخلية. بعد أكثر من عامٍ من إطلاق مشروع إعادة تأهيلها تحت رؤية السعودية 2030، أصبحت سالم وجهةً ثقافيةً وسياحيةً تجذب الآلاف من الزوار سنوياً، وتُعيد صياغة هويتها كمركزٍ حضاريٍّ يجمع بين الأصالة والحداثة.
لم تكن سالم، قبل عام 2023، أكثر من قريةٍ هادئة تضم نحو 3,200 نسمة، وفق بيانات الهيئة العامة للإحصاء لعام 2022. لكن مع انطلاق مشروع “إحياء تراث سالم” بتكلفة إجمالية قدرها 240 مليون ريال، ومُباشرة العمل في فبراير 2023، تغير المشهد جذرياً. شمل المشروع ترميم 47 مبنىً تاريخياً من الطين والحجر، وإعادة تأهيل شبكة الطرق والمرافق، وتطوير سوقٍ تقليديٍّ يضم 68 دكاناً، بالإضافة إلى إنشاء مركز ثقافيٍّ ومتاحف تفاعلية تُعرض فيها أدوات الحياة اليومية لسكان المنطقة منذ القرن الثامن عشر.
وأكد رئيس هيئة تطوير نجران، الدكتور خالد بن سليمان الحربي، في تصريحٍ رسميٍّ صدر في أبريل 2024: “سالم ليست مجرد قريةٍ مُعاد تأهيلها، بل هي نموذجٌ متكاملٌ لاستثمار التراث كموردٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ، حيث حافظنا على هوية السكان الأصليين وشاركناهم في صنع قرار التحديث، فلا تغيير دونهم، ولا تطوير دون احترام جذورهم”.
الإحصائيات تُظهر نتائج ملموسة: فقد ارتفع عدد الزوار إلى أكثر من 120 ألف زائرٍ خلال النصف الأول من عام 2024، بزيادة نسبتها 420% مقارنةً بعام 2022، وفق بيانات وزارة السياحة. كما خلّف المشروع أكثر من 320 فرصة عمل مباشرة، و1,100 فرصة غير مباشرة، معظمها للسكان المحليين، وفق ما أورده مكتب تنمية نجران في تقريره السنوي.
ومن أبرز التطورات، إعادة إحياء “مهرجان سالم للتراث” الذي انطلق في نوفمبر 2023، وشهد مشاركة 14 قبيلةً من جنوب المملكة، وعرض 70 نشاطاً تراثياً، من بينها صناعة السدو، وعروض الفروسية، وطبخ الأكلات التقليدية. وقد وصفته مجلة “التراث العربي” في عددها الصادر في يناير 2024 بأنه “أحد أهم المهرجانات التي أعادت إحياء التراث القبلي في منطقة جازان ونجران”.
السكان، بدورهم، تبنوا التغيير بحماس. يقول الشيخ علي بن حمد السالمي، أحد أبرز وجهاء القرية: “كنا نرى أن سالم ستُهمل، لكن اليوم أصبحت موضع فخرٍ لدى أبنائنا، وحتى الأجانب يأتون ل photographing بيوتنا، ويسألون عن طريقة بنائها. هذا ما لم نحلم به”.
تُعدّ سالم اليوم مثالاً نادراً على تحوّلٍ تنمويٍّ ناجحٍ، حيث لم يُستبدل التراث بالحديث، بل أُعيد إحياؤه بروحٍ عصرية، وبدون تهميشٍ للهوية. وبفضل الإرادة السياسية، والمشاركة المجتمعية، والتمويل الدقيق، أصبحت هذه البلدة الصغيرة نموذجاً يُحتذى به في مشاريع إحياء التراث على مستوى المملكة والمنطقة.
وبينما تخطو سالم بثقة نحو مستقبلٍ يجمع بين الأصالة والتطور، فإنها تُذكّر الجميع بأن الهوية ليست موروثاً يُعرض في المتاحف، بل حياةٌ تُعاش، وتُبنى، وتُسمع صداها في كل حجرٍ يُرمّم، وكل يدٍ تُشارك.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة
