ارتفاع نسب النشاط البدني في السعودية: 59.91% من البالغين و20.33% من الأطفال يحققون المستوى الموصى به

في مختلف مدن المملكة ومحافظاتها، لم يعد المشي في المتنزهات المفتوحة أو استخدام المسارات الرياضية قبل الغروب مجرد سلوك فردي، بل تحول إلى ظاهرة اجتماعية تعكس تحولا عميقا في نمط الحياة اليومي للمجتمع السعودي. وتشهد المملكة حاليا نهضة عمرانية وثقافية تعيد تعريف مفهوم جودة الحياة، حيث أصبحت الصحة البدنية والنشاط الحركي خيارا أساسيا تتبناه الأسر، وتدعمه بنية تحتية عصرية تجعل الرياضة جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية في الأحياء السكنية. هذا الحراك الإيجابي يجد صداه في ثقافة وقائية متنامية تضع صحة الإنسان وازدهار طاقاته في صدارة الأولويات التنموية. ولتتبع ملامح هذا التحول، تكشف الإحصاءات عن خط أساس متكامل يرصد المكتسبات التي ترسخت على الأرض، ويستكشف الآفاق الواعدة لمختلف الفئات لتعزيز الممارسة اليومية وترسيخ جودة الحياة كواقع مستدام.
نشاط البالغين: قاعدة عريضة وتفاوتات ديموغرافية
تظهر المؤشرات الإحصائية أن نحو ثلاثة أخماس السكان البالغين الذين تبلغ أعمارهم 18 عاما فأكثر يحققون العتبة الصحية الموصى بها للنشاط البدني بنسبة 59.91%، وفقا للإبلاغ الذاتي. وتوزعت هذه القاعدة الإيجابية بنسبة 63.36% لدى الذكور و52.93% لدى الإناث، في حين قادت فئة الشباب بين 18 و29 عاما هذا الزخم بنسبة ممارسة بلغت 62.97% متقدمة على المتوسط العام. وسجل المقيمون غير السعوديين 62.93% مقابل 55.88% للمواطنين السعوديين، مما يدل على اتساع دائرة الحركة لتشمل مختلف شرائح المجتمع. ويعكس المنحنى العمري حضورا للحركة عبر مراحل الحياة المختلفة؛ إذ بلغت النسبة 43.0% في الفئة العمرية بين 60 و69 عاما، و25.2% لمن هم بين 70 و79 عاما، و13.41% لمن تجاوزوا 80 عاما، مما يبرز استمرار النشاط لدى فئات عمرية متقدمة ويوفر أرضية لتطوير مسارات مناسبة لكبار السن. وعلى مستوى المناطق، قدمت منطقة نجران نموذجا رائدا بتصدرها الترتيب بنسبة 67.97%، بينما سجلت الباحة 41.94%، وجاءت الجوف والقصيم عند نحو 44% لكل منهما، مما يبرز تنوع الخصائص المحلية بين المناطق. وتتنوع مجالات النشاط المبلغ عنه لتشمل الحركة الترفيهية بنسبة 64.67%، ونشاط التنقل اليومي بنسبة 52.35%، والمجهود البدني أثناء العمل بنسبة 40.80%. وبما أن الأفراد يجمعون بين أكثر من نمط، فإن هذه النسب تعبر عن تكامل الحركة اليومية وتتسق مع تعريف وزارة الصحة التي ترى النشاط البدني في كل حركة جسدية تبذل طاقة، موصية البالغين بـ150 دقيقة أسبوعيا من النشاط معتدل الشدة أو 75 دقيقة من النشاط الشديد.
الأطفال والمراهقون: مؤشرات محلية متقدمة وفرص لتعزيز العادات اليومية
حقق 20.33% من الأطفال والمراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و17 سنة العتبة الموصى بها للنشاط البدني يوميا بمعدل 60 دقيقة فأكثر. وبرزت في هذا المسار مؤشرات محلية متفوقة؛ حيث تصدرت منطقة عسير بنسبة 30.74%، تلتها منطقة جازان بنسبة 29.45%، متقدمتين بوضوح على المعدل الوطني العام، مقابل 13.68% في الرياض و11.74% في الجوف. وسجلت الفئة العمرية بين 11 و17 سنة 21.80% مقارنة بـ19.35% للفئة بين 5 و10 سنوات. وتعكس الأرقام تماثلا تاما بين الجنسيات بتسجيل 20.32% للسعوديين و20.37% لغير السعوديين، في حين سجل الذكور 27.12% مقابل 13.33% للإناث، مما يفتح آفاقا واعدة لتعزيز المبادرات الرياضية المدرسية والمجتمعية المحفزة للفتيات. ويستند هذا التقدير إلى تكامل مسحين مستقلين أجرتهما الهيئة لعام 2026؛ مسح صحة المرأة والطفل للأعمار بين 5 و14 سنة، والمسح الصحي الوطني للأعمار بين 15 و17 سنة.
الحركة اليومية وساعات السكون: موازنة أنماط الحياة
سجل البالغون متوسط 340 دقيقة يوميا، أي نحو 5 ساعات و40 دقيقة، في فترات الجلوس أو الاستلقاء خارج أوقات النوم، بمتوسط 363 دقيقة لدى الإناث و329 دقيقة للذكور، وهو مؤشر يصف أوقات العمل المكتبي والراحة التي تتجاور مع ممارسة الرياضة. وفي أوساط النشء بين 5 و17 سنة، يقضي 33.84% ما بين ساعة وأقل من ساعتين يوميا في أنشطة غير بدنية خارج أوقات الدوام المدرسي، و43.19% ساعتين فأكثر، وترتفع النسبة لدى 17.10% لتتجاوز ثلاث ساعات، مما يقدم خط أساس لتشجيع الصغار على استبدال أوقات الشاشات بالأنشطة التفاعلية. ويتكامل نمط الحركة اليومي مع المؤشرات الصحية العامة، حيث يعكس الإدراك الفردي الإيجابي للصحة وعيا مجتمعيا يدعم جهود الطب الوقائي والرعاية الاستباقية.
الصحة العامة والحراك المجتمعي: تقدم ملحوظ
عكست إحصاءات الحالة الصحية لعام 2025 تفاؤلا واسعا؛ إذ قيم 99.2% من السكان الذين تبلغ أعمارهم 15 سنة فأكثر حالتهم الصحية بأنها جيدة أو أعلى، وأفاد 39.3% بحرصهم على إجراء الفحوصات الدورية الاستباقية لتعزيز الوقاية. وعلى صعيد المحددات الصحية لعام 2024، بلغت نسبة زيادة الوزن 45.1% والسمنة 23.1% بين البالغين، وسجلت بين الأطفال بين 2 و14 سنة 33.3% لزيادة الوزن و14.6% للسمنة، فيما أشار 10.2% من البالغين إلى تناول الحصص اليومية الموصى بها من الخضار والفواكه بواقع 5 حصص فأكثر استنادا إلى الإبلاغ الذاتي. وفي ملف الأمراض المزمنة لنشرة 2024، أبلغ 18.95% من البالغين عن حالة مزمنة واحدة على الأقل؛ تصدرها السكري بـ9.1%، وضغط الدم بـ7.9%، وارتفاع الكوليسترول بـ3.6%، وأمراض القلب والشرايين بـ1.5%، إلى جانب 9.4% للأطفال دون سن 15 عاما. وفي المقابل، يقدر دليل هيئة الصحة العامة (وقاية) للوقاية من السكري 2025-2026 نسبة انتشار المرض سريريا بين 23.1% و23.7% للفئة العمرية بين 20 و79 عاما بالاستناد إلى نماذج فحص سريرية وطنية ودولية، وهو اختلاف يرجع لمنهجية القياس؛ إذ تسجل الإحصاء الإبلاغ الذاتي بينما تقدم (وقاية) تقديرا للانتشار السريري. وعلى صعيد الحراك المجتمعي، سجلت المشاركة قفزات تاريخية عكستها الأرقام الرسمية؛ حيث شهد ماراثون الرياض لعام 2026 قفزة قياسية بوصول المشاركين إلى 50 ألف متسابق مقارنة بنحو 10 آلاف في مراحله الأولى. ويأتي هذا الإنجاز تتويجا لجهود عام 2024 التي شهدت تنظيم 242 برنامجا وفعالية مجتمعية بمشاركة 155 ألف شخص، مما يؤكد جاذبية البيئة التحتية الحضرية وتكاملها مع المسوح الوطنية الحركية.
المقارنة الزمنية: تحسن إجمالي متواصل
أظهرت المقارنة مع إصدار عام 2025 تحسنا حسابيا في المؤشرات الوطنية؛ حيث ارتفعت نسبة البالغين النشطين بدنيًا من 59.1% إلى 59.91% بزيادة 0.81 نقطة مئوية، وصعدت نسبة الأطفال والمراهقين من 19.0% إلى 20.33% بنمو 1.33 نقطة مئوية. وشهدت التفاصيل تقليصا ملحوظا في فجوة الممارسة بين الجنسين لدى البالغين من 23.4 نقطة مئوية في عام 2025 إلى 10.43 نقاط مئوية في عام 2026، فضلا عن انتقال نسبة فئة 80 عاما فأكثر من 3.5% إلى 13.41%، مما يوفر ركيزة لتطوير أدوات القياس المستقبلي لدعم التوجهات التنموية. وتؤكد إحصاءات عام 2026 نجاح المملكة في ترسيخ مجتمع حيوي يتمتع بوعي صحي متنام، يستند إلى قاعدة نشاط تقارب 60% بين البالغين، ونماذج إقليمية رائدة في نجران وعسير وجازان، ورضا صحي ذاتي يلامس 99%. وتشكل هذه المعطيات حافزا تنمويا لاستثمار الفرص القادمة في توسيع برامج النشاط اليومي للأطفال والفتيات، بما يضمن ديمومة الصحة والنشاط كنمط حياة يرتقي بجودة حياة المجتمع في كافة أرجاء الوطن.






