الرئيسيةمحلياتفي يوم الوطن… الجيولوجيا تحكي قصة...
محليات

في يوم الوطن… الجيولوجيا تحكي قصة أرض لم يكتب تاريخها البشر

22/09/2026 09:00

في الثالث والعشرين من سبتمبر، تروي الأرض حكاية وطنٍ لا يشبه أي وطن آخر. نحن لا نحتفي هنا بوطن تشكّلت ملامحه على يد الإنسان خلال عقود أو قرون معدودة، بل بوطن بدأت الأرض ذاتها تسطّر فصول حكايته قبل ظهور الإنسان، وقبل أن يدرك معنى الوطن، وقبل أن يعرف رسم الحروف، وقبل أن تُرسى الحدود وتُشيّد المدن.

تاريخ الأرض الذي كتبته الصخور

لقد سبق أن قلت: “الصخور تكتب تاريخ الأرض، والأحافير (المستحثات) تروي حكاية الحياة عليها”. تاريخ الأرض دُوِّن في صخور الجبال، وروت الأحافير حكاياته، وخلّدت طبقات الصخر أحداثه: بحاره وصحاريه وثلوجه وبراكينه ومناجمه المعدنية وخزانات مياهه الجوفية ومكامنه النفطية والغازية، بل وحتى زوّاره القادمون من الفضاء، أجرام تحمل في طيّاتها شيئًا من تاريخ الكون.

لقد رسمت الجيولوجيا ملامح الوطن منذ مليارات السنين، وما زالت ترسمها. وبأمرٍ من الله ولطفه، تكوّنت المعادن في صخور الدرع العربي، وتناوبت البحار بين مدّ وجزر لتُكوّن طبقات صخور رسوبية للرف العربي، وفيها تهيّأت أفضل الظروف لنشأة النفط والغاز وتجمّعهما وتشكّل الطيات لالتقاطهما. وبأمرٍ من الله انفتح البحر الأحمر ليفصل البلاطة العربية الفتية عن البلاطة الأفريقية، فشغل الوطن معظم مساحة تلك البلاطة، وثارت البراكين فأنشأت الحرات، وتكوّنت السباخ، وغطّت الكثبان الرملية ثلث مساحة الوطن. وجميع هذه الرواسب والصخور والحرات والسباخ والرمال تزخر بالثروات المعدنية.

ثم جاء الإنسان؛ فقرأ ما خطّته الصخور وما رَوَتْه الأحافير، واستكشف أسرارها، واستثمر خيراتها، وحوّل إمكاناتها إلى عمران واقتصاد وتنمية. ومن هنا تبدأ حكاية الوطن: نِعمٌ من الله جلّ شأنه، وأرضٌ تختزن التاريخ، وقيادةٌ أحسنت قراءة النِّعَم، وشعبٌ حمِد الله على النِّعَم وحوّلها إلى منجز ومستقبل.

وطن متميز بهويته الجيولوجية

أرضٌ سخّر الله سبحانه وتعالى من يكتب تاريخها، وجعلها مباركة، وشرّفها بأن جعل فيها أول بيت وُضِع للناس، وتشرّفت بوجود الحرمين الشريفين، ولها موقع متميز بين ثلاثة بحار: البحر الأحمر، وخليج العقبة، والخليج العربي. ولهذا التكريم ثمنٌ يجب شكره، ورسالةٌ يجب تبليغها.

هذا التنوع ليس مجرد لوحة طبيعية جميلة؛ إنه حصيلة تاريخ طويل من تشكّل القشرة الأرضية، والحركات البنائية (التكتونية)، والنشاط البركاني، والترسيب، والتعرية، وتغيّر المناخ والبيئات عبر أزمنة سحيقة. لذلك تبدو طبقات صخور الوطن، في عين الجيولوجي، كأنها كتاب مفتوح من تاريخ الأرض: كل جبل فيه صفحة، وكل طبقة صخرية سطر، وفي كل وادٍ أثر، وكل أحفورة شاهد، وحتى وراء كل حبة رمل حكاية، وكل معدن فصل من فصول حكاية ونماء.

إنه تاريخ لم يصنعه البشر، لكن الإنسان استطاع أن يفك رموزه ويهتدي إلى كنوزه. لم تكن الثروات التي تختزنها أرض الوطن مجرد خيرات كامنة في باطنها؛ بل كانت نعمة وجدت من يكتشفها ويفهمها ويحسن استثمارها. فالدرع العربي يزخر بمعادنه الفلزية من ذهب وفضة ونحاس وزنك وغيرها، بينما هيّأت الأحواض الرسوبية الظروف الجيولوجية التي أسهمت في نشأة وتجمّع وتخزين النفط والغاز، إلى جانب المياه الجوفية ومواد البناء والصناعة والمعادن اللافلزية وغيرها من الموارد.

دور القيادة في تحويل الثروات إلى تنمية

كثيرة هي الثروات في كثير من الأوطان، لكنها قد تكون وبالًا على أهلها لسوء استغلالها. هنا يظهر دور قيادتنا التي أدركت قيمة ما استودعه الله في هذه الأرض، فانتقلت المملكة من مرحلة اكتشاف الموارد إلى بناء اقتصاد وصناعة وتنمية، ثم إلى مرحلة تعظيم القيمة المضافة وتنويع الاقتصاد واستشراف المستقبل.

وهنا تكمن حقيقة جديرة بالتأمل: الثروة لا تبدأ من المنجم ولا من البئر؛ بل تبدأ من الجيولوجيا. فالجيولوجيا لا تتحول إلى ثروة إلا حين يقرأها الإنسان بالعلم، ويستكشفها بالتقنية، ويحسن إدارتها، وتضع القيادة لها الرؤية التي تحول الإمكانات إلى تنمية مستدامة. ومن ثم فالجيولوجيا ليست علمًا يختص بالصخور والمعادن فحسب؛ إنها تمس الأمن المائي والمعدني والصناعة والبنية التحتية والتخطيط العمراني والبيئة والسياحة واستدامة الموارد.

الأرض تحفظ ما لا تحفظه الكتب

لو ضاعت المخطوطات، وتلفت الكتب، وجفّت الأقلام، لبقيت الأرض قادرة على رواية جانب عظيم من تاريخ الوطن. في صخور الدرع العربي نقرأ مراحل تطور القشرة الأرضية، وفي الأحواض الرسوبية نقرأ تعاقب البحار والبيئات القارية، وفي الحرات نرى آثار النشاط البركاني، وفي الأودية والكثبان آثار المياه والرياح وتقلبات المناخ وفترات الجليد عبر الأزمنة.

فالأرض ليست شاهدًا على الماضي فحسب؛ إنها تاريخ ما زال يُكتب، فالرياح تنحت، والمياه تجرف وترسب، والرمال تتحرك، والسواحل تتغير، والقوى الجيولوجية تواصل عملها بصمت بالنسبة للبشر. إنها كتابة لا قلم لها ولا مداد، لا يقرؤها إلا من أنعم الله عليه بشيء من علوم الأرض.

الأحفورة ليست حجرًا غريب الشكل؛ إنها وثيقة طبيعية، تخبرنا عن كائن عاش، وبيئة سادت، وبحر امتد، ومناخ تغيّر، وحياة مرّت من هنا ثم غابت، وبقي أثرها ما بقي الوطن. احتفظت الطبقات الرسوبية ببقايا وآثار معظم الكائنات الحية التي دبّت على سطح الأرض، وسبحت في بحارها، وطارت في سمائها، كائنات عاشت منذ مئات الملايين من السنين في عصور مختلفة، شاهدة على بحار وبيئات ومناخات لم يعد معظمها موجودًا اليوم. ومن هنا تصبح الأحافير جزءًا من الذاكرة الطبيعية للوطن، وجسرًا يصل حاضره بماضي الحياة على كوكب الأرض.

ومن الفضاء تتواصل بقية الحكاية، فلا تتوقف القصة عند حدود الأرض. فعلى صحراء الوطن وفوق كثبانه الرملية ارتطمت نيازك عظيمة تشكّلت خارج كوكبنا وانفلتت من مدارها، وحملت في مادتها شواهد من تاريخ النظام الشمسي. فنيزك السنام (الحديدة) ونيزك وادي الدواسر هما أكبر نيازك جزيرة العرب. وهكذا تتسع هوية الوطن جيولوجيًا من أعماق الأرض إلى سطحها، ومن تاريخ الحياة إلى عالم الفضاء.

الهوية الجيولوجية للوطن

في باطن الأرض معادن، وعلى سطحها تضاريس، وفي صخورها أحافير، ومن الفضاء نيازك. إنها سردية تختصرها أربع كلمات: الله سبحانه وتعالى، الأرض، الحياة، الفضاء. تحتوي هذه وتلك ألطاف الله، إنه وطن له أكثر من هوية جيولوجية. اعتادت الشعوب أن تختار رموزًا تعبّر عن شيء من شخصيتها وتاريخها وبيئتها. والمملكة، بما تختزنه أرضها من تنوع جيولوجي استثنائي، تملك فرصة لأن تضيف إلى رموزها الوطنية الأساسية الممثلة في: المسمى، والعلم، والشعار، والنشيد، والرموز الدينية على العملات الورقية والمعدنية وغيرها، بعدًا جيولوجيًا يعرّف بالوطن من زوايا أعمق.

الهوية الجيولوجية ليست ترفًا معرفيًا، بل وسيلة لإعادة اكتشاف الوطن، وتعميق الوعي بأرضه وثرواته، وتشجيع الأجيال لدراسة علوم الأرض، ودعم السياحة الجيولوجية، ودعم صاحب القرار لربط الجيولوجيا بالاقتصاد والتعليم والثقافة وغيرها. فحين يعرف الإنسان قصة الأرض التي يعيش عليها، يصبح انتماؤه إليها أكثر عمقًا؛ لأنه لا يرى الوطن مساحةً على الخريطة فحسب، بل يراه تاريخًا حيًا تحت قدميه.

القيادة تقرأ… والشعب يبني

مهما بلغت ثروات الأرض، فإن الإنسان يظل أعظم ثروات الوطن. الأرض تمنح الإمكانات، لكن الإنسان يكتشفها. الجيولوجيا تكشف الموارد، لكن العلم يفسّرها، والتقنية تطوّعها، والاقتصاد يضيف إليها القيمة، والقيادة تجمع هذه الطاقات في رؤية، والشعب يحول الرؤية إلى واقع. وهنا تتكامل عناصر الحكاية: نعمة الله هي البداية، والأرض هي الوعاء، والجيولوجيا هي لغة المكان، والقيادة هي بصيرة الاستثمار، والشعب هو صانع المنجز.

ولهذا فإن قصة المملكة ليست قصة ثروات طبيعية فحسب، ولا قصة إنجازات بشرية منفصلة عن الأرض؛ إنها قصة تفاعل الإنسان مع أرضٍ وهبها الله له، فقرأها بعلمه، واستثمر إمكاناتها، وبنى فوقها وطنًا يتطلع إلى المستقبل.

٢٣ سبتمبر… يوم تتحدث فيه الأرض

في يوم الوطن، نحتفي بما فوق الأرض وما تحتها. نحتفي بالجبال التي تختزن الزمن، وبالصخور التي تحفظ تاريخ القشرة الأرضية، وبالمعادن التي أسهمت في بناء الاقتصاد، وبالأحافير التي تحفظ ذاكرة الحياة، وبالحرات التي تشهد على النشاط البركاني، وبالكثبان التي تحمل آثار المناخ والرياح، وبالبحار والسواحل التي شهدت تحولات جيولوجية كبرى، وبالنيازك التي تصل بين أرض المملكة وفضاء الكون. وقبل هذا وذاك نحتفي بِنِعَم الله. نحتفي بقيادة أدركت قيمة هذه النِّعَم، وشعبٍ جعل من العلم والعمل والإرادة وسيلةً لتحويل الإمكانات إلى إنجاز.

ففي ٢٣ سبتمبر لا تقول المملكة فقط: هذا وطننا. بل تقول الأرض: هذه أرضٌ أنعم الله عليها وبارك الله فيها، هذا وطنٌ قرأ أرضه، وقيادةٌ أحسنت استثمار نعمها، شعبٌ حوّل خيرات الوطن إلى بناء، بل وعبرت خيراته إلى ما وراء الحدود، إنه مستقبلٌ يُكتب اليوم بأيدي أبنائه. إنه وطن لم يكتب تاريخه بشر: بدأ تاريخ الأرض قبل الإنسان، وحفظته الصخور، وشهدت عليه الأحافير، وجاءته النيازك ببعض أسرار الفضاء؛ ثم جاء الإنسان السعودي، فقرأ هذا التاريخ، وبنى فوقه وطنًا يكتب فصوله الجديدة.

٢٣ سبتمبر… يوم تتحدث الأرض عن وطن، ويتحدث الوطن عن نعمة الله وفضله سبحانه وتعالى، فهل نكون من الشاكرين!! الحمد لله رب العالمين. كتبه عبدالعزيز بن عبدالله بن لعبون، الرياض غرة ربيع الآخر 1447هـ – الموافق 14 سبتمبر 2026م.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *