الرئيسيةمحلياتمن الجمل إلى «سير»: محمد بن...
محليات

من الجمل إلى «سير»: محمد بن سلمان يقود تحولاً صناعياً يعيد تعريف الطريق السعودي

لنتخيل مشهداً: جمل من قوافل الأجداد يطل برأسه على بوابة مصنع للسيارات، يتوقف لبرهة، يتأمل الزجاج والحديد والحركة المنتظمة، ثم يبحث بعينيه عن الرجل الذي كان يشد الرحال على ظهره، فلا يجده. بدلاً منه يجد حفيده يرتدي ملابس العمل، يحمل جهاز قياس صغيراً، ويفحص باب سيارة توشك أن تكتمل. ربما كان الجمل سيدرك، دون شرح مطول، أن الرحلة مستمرة، وأن حفيد الراكب القديم يتعلم كيف يصنع ما يركبه.

إرث الطريق: من الجمل إلى السيارة

قبل هذا المشهد بسنوات طويلة، كان الجد يخرج مع الفجر، يشد متاعه، ويوصي أهله، ويترك للصحراء أن تختبر صبره. كانت المسافات تأكل من عمره أياماً، وكان الوصول خبراً يستحق الفرح. لم ينقصه الطموح، بل نقصته الأدوات. ولم يكن الجمل علامة على ضآلة أحلامه، بل الوسيلة التي حمل بها أحلاماً أكبر من أن تبلغها رحلة واحدة.

مضى الجد، وبقي الطريق. ثم أخذت الدولة السعودية تمنحه وجهاً آخر: أمناً يجمع أطراف البلاد، وطرقاً تصل مدنها، ومدارس تفتح لأبنائها أبواب المعرفة. تراكم البناء جيلاً بعد جيل، حتى وصلت السيارة إلى بيت الحفيد، فاختصرت عليه المسافة التي أنهكت جده، وصار يبلغ في ساعات ما كان يحتاج إلى أيام.

محمد بن سلمان: فتح أبواب الصناعة

غير أن للحكاية مسافة أخرى: من مِلْك السيارة إلى مَلَكة صنعها. هنا يدخل محمد بن سلمان، حفيد مؤسس الدولة، إلى الحكاية، يحمل إرث الطريق، ويفتح له امتداداً جديداً. يلتقي حفيدان: أحدهما يرسم الوجهة، والآخر يصنع الوسيلة. كان يمكن أن تتسع أمام السعودي صالات البيع وحدها، لكن مشروع ولي العهد يفتح له أبواباً أخرى: يدخل منها إلى قاعة التصميم، ومعمل الاختبار، وخط الإنتاج، ويرى السيارة من الجهة التي يصنعها فيها الإنسان، حيث تبقى المعرفة بعدما تغادر السيارة بوابة البيع.

في حكايتنا، يصل الشاب إلى يومه الأول في التدريب. يعرف كيف يقود سيارة، لكنه يقف الآن أمام أسئلة لم تكن تخطر له حين يدير مقودها: لماذا اختيرت هذه المادة؟ كيف تلتقي القطعتان؟ ما الذي يجعل هذا الجزء أكثر أماناً؟ يتعلم أن وراء الحركة التي تبدو بسيطة معرفة دقيقة، وأن يده تستطيع، مع الوقت، أن تتقن ما كانت تكتفي باستعماله.

لم يعد المستقبل عنده شحنة ينتظر وصولها، صار عملاً يستعد للذهاب إليه: يراجع ما تعلمه، ويسأل عما لم يفهمه، ويعود إلى المحاولة حين يخطئ. تتجمع في ذاكرته خبرة لا يستطيع شراءها جاهزة، إنها تنمو معه، حتى يصبح قادراً على تعليمها لمن يأتي بعده، فتتقدم البداية جيلاً آخر.

صناعة السيارة: عمل يومي ومسؤولية

وتبدأ أصعب فصول الرواية: فالسيارة لا تخرج من الحماسة وحدها. تحتاج إلى قطعة تصل في موعدها، وأخرى تطابق القياس، وجزء يعمل مع جزء. قد يتوقف الشاب أمام نتيجة لم يتوقعها، فيعيد الفحص مع زميله، ويرجعان إلى المشرف، ثم تتضح المشكلة. هنا يصير الطموح الذي يقوده ولي العهد عملاً يومياً، له مواعيد ومسؤوليات، ويصبح الفخر بالمنتج التزاماً بإتقانه قبل أن يغادر المصنع.

ثم يأتي مشهد إطلاق ولي العهد أولى مركبات «سير»، وتتجه الأنظار إلى السيارة، إلى شكلها وحضورها المختلف، فتبدو كأنها بطل المشهد. لكن الحكاية أبعد من صورتها: إنها عند متدرب يتعلم قراءة رسم هندسي، وعند مهندس ينقل خبرته، وفي يد تتعلم عملاً جديداً. الإطلاق سطر أول في هذا الفصل، وما بعده يكتبه الإنتاج والاختبار والمنافسة، حتى تكتسب السيارة مكانها في الطريق.

لنعد إلى الشاب عند بوابة المصنع: ينتهي يومه فيرفع هاتفه، يطمئن أمه أنه في طريق العودة، ثم يتوقف أمام السيارة التي شارك في العمل عليها. لقد ترك شيئاً من معرفته في هذا الحديد، وسيعود غداً ليضيف إليه. وللمرة الأولى يصبح الطريق الذي يسلكه إلى رزقه جزءاً من طريق صناعة بلده.

في البيت ستسأله أمه عن يومه، فيحكي لها عن شيء تعلمه، وربما لم تفهم تفاصيله كلها، لكنها ستفهم من صوته أنه وجد ما يستحق أن يستيقظ من أجله.

مقابل الميليشيا: صناعة الحياة

وثمة أم أخرى تنتظر اتصالاً يشبه هذا الاتصال. ابنها في عمره، لكنه يقف أمام حاجز، يحمل سلاحاً، وينتظر أمراً لا يعرف متى يأتي، أو إلى أين سيأخذه. كان يستطيع أن يتعلم المهنة نفسها، لكن من كتبوا له الدور اختاروا أن يجعلوه حارساً لتعطيل الطريق. لقنوه أسماء خصوم لم يلتقهم، وأقنعوه بأن حياته تكتسب قيمتها بقدر استعداده للتخلي عنها خدمة لمشروعهم. عند المساء يستطيع عامل المصنع أن يحدث أمه عما سيفعله غداً، أما الواقف عند الحاجز فقد لا يملك أن يعد أمه بموعد عودته.

هنا تظهر المسافة بين من يصنع سيارة ومن يصنع ميليشيا. كلاهما يجمع أجزاء، لكن أحدهما يجمع المعرفة لكي يتحرك الإنسان، والآخر يجمع الأحقاد لكي تتوقف الدولة. الأول يحتاج إلى طريق مفتوح، والثاني يحتاج إلى حاجز. الأول يختبر وسائل السلامة، والثاني يختبر مقدار الخوف. وخلف العامل أم تعرف أين يعمل ابنها، وخلف الواقف عند الحاجز أم تخشى السؤال عمن يملك مصيره.

وهذه هي وجهة الحكاية التي يقودها ولي العهد: أن نصنع ونصدر سيارات، فيما يختار غيرنا صناعة الميليشيات وتصديرها. فحين تصل السيارة إلى بلد آخر، تحتاج إلى ثقة مشتريها، أما الميليشيا فتصل محملة بإرادة راعيها، تريد من البلد أن يصبح أقل قدرة على حكم نفسه، وأن يدفع من حياة أبنائه كلفة نفوذ غيره.

وأجمل ما يفعله بطل هذه الحكاية أنه يفتح البطولة لغيره: للمهندس في قاعة التصميم، وللفني خلف آلة الإنتاج، وللشاب الذي يكتشف أن موهبته يمكن أن تصبح مهنة. فيكبر حضور القائد كلما اتسعت مساحة الفعل لأبناء بلده، ويصبح نجاحه قابلاً لأن ترويه آلاف البيوت، كل بيت من باب فرصة فتحت لأحد أبنائه.

خط سير: لو عاد الجمل إلى بوابة المصنع، لما احتاج إلى معرفة اسم السيارة كي يعرف أن الرحلة مستمرة. كان يحمل الجد إلى رزقه، وصار الحفيد يحمل معرفته إلى عمله. وبينهما قاد محمد بن سلمان الحكاية إلى فصل جديد، يصنع فيه أبناء القافلة وسيلة رحلتهم المقبلة، ويمضي فيه وطن، تاركاً خلفه ما يستحق أن يسمى الإنجاز.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *