الحوثيون يشدّون الخناق على تعز: الغذاء والدواء في خطر

في أحد المستشفيات بمدينة تعز، اضطر الطاقم الطبي إلى تعليق العمل لمدة ثلاثة أيام بسبب نفاد الديزل، وفقاً لشهادة طبيب نقلتها منظمة “هيومن رايتس ووتش” في 29 أكتوبر دون الكشف عن هويته. وكان المرضى يفدون ويغادرون دون تلقي الرعاية اللازمة، في مشهد يختزل تداعيات اضطراب الإمدادات إلى مدينة تعتمد مرافقها الصحية ومضخات المياه على الوقود.
حصار طرق الإمداد
وتقول مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن إغلاق الحوثيين لطريق الإمداد الرابط بين تعز وعدن يعرقل المساعدات ويقطع المواد الأساسية. ويأتي ذلك بعد أن صنّف مجلس الدفاع الوطني اليمني الجماعة منظمة إرهابية في أكتوبر 2022.
تعود قيود الحوثيين على طرق تعز إلى عام 2015، بينما بقي وسط المدينة تحت سيطرة القوات الموالية للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. وفي 13 يونيو 2024، أعيد فتح طريق الحوبان–جولة القصر بوساطة محلية، مما سمح بعبور المركبات بين المدينة والمنطقة الشرقية.
وفي بيان صدر في 22 أكتوبر، قالت منظمة العفو الدولية إن الحوثيين شددوا قبضتهم حول تعز بعد قطع الطريق الرئيسي الرابط بينها وبين عدن، محذرة من تعثر المساعدات وتهديد حصول مئات الآلاف على الغذاء والمياه والرعاية الصحية.
تفجير طريق هيجة العبد
تضررت عبارة تصريف مياه أسفل طريق هيجة العبد في 18 أكتوبر. وحمّلت وزارة النقل اليمنية مليشيا الحوثي مسؤولية تدميرها، بينما خلصت “هيومن رايتس ووتش” إلى أن الجماعة استخدمت متفجرات لإلحاق أضرار جسيمة بالطريق، وهو مسار رئيسي لنقل الغذاء والدواء والوقود باتجاه المدينة. استند تحقيق المنظمة إلى شهادات ومراجعة صور الأقمار الصناعية، والتحقق من الموقع الجغرافي لأربع صور وفيديو يظهر الأضرار.
وقالت المنظمة إن السلطات الحكومية أغلقت طريق هيجة العبد إلى حد كبير بعد الهجوم الأول لتجنب مزيد من الهجمات على المركبات، مع استمرار مرور بعض المركبات. وقبل هذا التصعيد، دشّن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن عام 2022 مشروع إعادة تأهيل طريق هيجة العبد بطول يقارب تسعة كيلومترات. وفي سبتمبر 2026، قال وزير الأشغال اليمني حسين العقربي إن المشروع بلغ مرحلته النهائية.
وتكشف الطرق البديلة عن مخاطر أخرى؛ فقد نقل موقع “الساحل الغربي” اليمني عن مصادر محلية انقلاب خمس شاحنات بضائع على طريق الكربة–الصحى الوعر بعد تضرر هيجة العبد.
الغذاء والأسعار تحت الضغط
في 14 أكتوبر، أعلن برنامج الأغذية العالمي تعذر وصوله وشركائه إلى أكثر من 600 ألف شخص يعتمدون على المساعدات في تعز، بينهم أكثر من 200 ألف امرأة وطفل. ويصف هذا التقدير وضع الوصول في تاريخه، وليس عدداً للوفيات. وذكر البرنامج أن عشر مديريات من أصل 16 في تعز سبق تصنيفها عند مستوى “الطوارئ”، المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.
كما حذر البرنامج من اقتراب نفاد مخزونات دقيق القمح، وأن المواد الغذائية المتبقية في الأسواق قد لا تكفي سوى فترة قصيرة إذا استمرت قيود الوصول. ونبه إلى احتمال تقليص المساعدات في اليمن اعتباراً من نوفمبر ما لم يتوفر تمويل إضافي، وهو عامل يضاف إلى صعوبات النقل والقتال.
وعلى مستوى الأسعار، ذكر مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي أن سعر كيس الدقيق الأبيض، زنة 50 كيلوغراماً، بلغ 60 ألف ريال في بعض المحال يوم 12 أكتوبر، قبل أن يتراجع إلى نحو 50 ألفاً في معظم المحال المرصودة يوم 17 أكتوبر. وكان السعر قبل التصعيد الأخير نحو 38 ألف ريال، وفق الإحاطة التي غطت الفترة من 10 إلى 21 أكتوبر، مما يبقي السعر المرصود أعلى من مستواه قبل التصعيد. وأوضح المركز أن وصول كميات محدودة من القمح والدقيق ساهم في تحسن مؤقت للمعروض، لكنه حذر من أن الإغلاق المتكرر لطريق الضباب يعرقل الشاحنات ويدفع بعض التجار إلى تقليص شحناتهم أو تأجيلها.
المياه والوقود: شح وتكاليف باهظة
ويمتد أثر الطريق إلى المياه؛ ففي 23 أكتوبر، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن إنتاج المياه في المدينة انخفض إلى نحو النصف، فيما قاربت تكلفة المياه المنقولة بالصهاريج ثلاثة أمثالها، مع شح الديزل اللازم لتشغيل الشاحنات والمضخات. ونقلت “هيومن رايتس ووتش” عن منظمة محلية تراقب الحصار إفادات من مشغلي صهاريج قالوا إنهم أُوقفوا عند حواجز حوثية أثناء محاولتهم إدخال المياه إلى المدينة. وفي 31 أكتوبر، أورد موقع “يمنات” دخول شحنة وقود إلى المدينة، ووصفتها المصادر المحلية بأنها بنزين فقط.
الدواء والمستشفيات على حافة الانهيار
قالت منظمة الصحة العالمية في 22 أكتوبر إن 42 مرفقاً صحياً في مدينة تعز أبلغت عن نقص حاد في الإمدادات. وأشارت إلى أكثر من 1110 مريضاً بالفشل الكلوي يحتاجون إلى الغسيل، و192 مريضاً في العناية المركزة، و154 مولوداً في الحاضنات وقت البيان. وفي مثال على أثر نقص الوقود، قال مدير الخدمات في المستشفى اليمني السويدي للأمومة والطفولة، وهيب الأكحلي، في تصريحات صحفية في 29 أكتوبر، إن عدد الحاضنات العاملة انخفض من 40 إلى 10، وإن محطة الأكسجين توقفت. وتشمل المخاطر رعاية الأمهات أيضاً؛ فقد قدر صندوق الأمم المتحدة للسكان، في 16 أكتوبر، أن أكثر من 13 ألف و100 امرأة حامل في مدينة تعز لم يستطعن الوصول إلى خدمات رعاية الأمومة.
استجابة إغاثية محدودة
رغم القيود، سجلت منظمة الصحة العالمية وصول شحنة طبية إلى مدينة تعز في 24 أكتوبر، ضمت 56 مجموعة لعلاج الإصابات والطوارئ، وأدوية ومستلزمات بوزن إجمالي يقارب 30 طناً، وزعت على ثلاثة مستشفيات ومركز صحي. وأوضح تقرير المنظمة أن الوصول من عدن إلى تعز والساحل الغربي ظل مقيداً. وضخ مركز الملك سلمان للإغاثة مياه الشرب عبر 13 نقطة في مديرية المظفر بتعز، استفادت منها 571 أسرة تضم أربعة آلاف شخص.
وفي 27 أكتوبر، شهد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في الرياض تدشين مشاريع سعودية، بينها مشروع عاجل يستهدف توزيع خمسة آلاف سلة غذائية و9960 علبة حليب أطفال، إلى جانب أدوية ومستلزمات لمدينة تعز. وشملت الحزمة مشروعاً آخر لتوفير 4.7 مليون لتر مياه لنازحين في محافظة تعز، وهي أوسع جغرافياً من المدينة.
وفي 29 أكتوبر، قال محافظ تعز نبيل شمسان إن مجموعة تجارية توصلت إلى تفاهمات لإدخال كميات محدودة من الغذاء واستمرار بعض إمدادات المياه والوقود. وأضاف أن منظمات أخرى قدمت كميات محدودة من الوقود والمساعدات الصحية والغذائية، وأن التدخلات لا تغطي سوى جزء يسير من الاحتياجات.






