السؤال الذي يصنع الإجابة: تحليل لقوة الاستفهام في الاتصال والتعليم

قوة السؤال في الاتصال
قضينا فترة طويلة نتعلم كيف نعطي أجوبة، وربما بات من الضروري اليوم أن نتعلم كيف نطرح أسئلة. الخبير نتوقع منه جواباً، والمعلم نسأله ليجيب، والمدير يُطلب منه أن يقدم الحل، والمتحدث الجيد نتوقع منه أن يخبرنا بما يعرف. لكن في عملية التواصل هناك مهارة أكثر دقة: معرفة التوقيت المناسب للتوقف عن تقديم الإجابات وإبداء السؤال المناسب.
عندما نعطي جواباً نقدم للمتلقي نتيجة جاهزة، بينما السؤال الجيد يدفعه إلى السير بنفسه نحو النتيجة، فيتغير موقعه في العملية من متلقٍ للفكرة إلى مشارك في بنائها.
السؤال مقابل الإجابة
ويظهر ذلك جلياً في قول الله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾. فالأسلوب الاستفهامي لا يضع النتيجة جاهزاً أمام الإنسان، بل يضع احتمالات أمامه، يضيق دائرتها ثم يترك عقله يعمل في استبعاد ما لا يستقيم منها؛ بذلك يصبح المتلقي طرفاً في عملية الاستدلال ويصل إلى النتيجة عبر تفكيره بدلاً من تلقيها كتقرير مباشر.
ومن هنا تنبع إحدى قوى السؤال: أنه ينقل جزءاً من عملية الإقناع من المتحدث إلى المتلقي نفسه. ولذلك نجد السؤال حاضراً في التعليم، والمقابلات الإعلامية، والاجتماعات، والقيادة، والاستشارات؛ وقد يغير سؤال واحد جيد مسار نقاش كامل، بينما تمر إجابات كثيرة دون أن تترك أثراً مماثلاً.
الذكاء الاصطناعي وإعادة valuing السؤال
والفرق واضح بين سؤال يُطرح للحصول على معلومة وسؤال يُطرح لإنتاج تفكير. إذا قال مدير لفريقه: «هذه الخطة لن تنجح بهذه الطريقة»، فقد يدفعهم إلى الدفاع عنها؛ لكن لو سألهم: «ما الذي يمكن أن يجعل هذه الخطة تفشل؟» فإن الموضوع يبقى واحداً تقريباً لكن العملية الاتصالية تتحول؛ فبدلاً من الدفاع عن الموقف يصبح الفريق مدعواً إلى فحصه.
وهذا ما يجعل صياغة السؤال مهارة اتصالية قائمة بذاتها؛ فالسؤال الرديء قد يقود إلى إجابة سطحية، والسؤال المنحاز قد يستدرج إجابة مقررة سلفاً، أما السؤال الجيد فيفتح مساحة للتفكير لم تكن موجودة قبله.
واليوم يعيد الذكاء الاصطناعي الاعتبار لهذه المهارة بصورة لافتة، إذ أصبح بإمكان الإنسان الحصول على إجابات مطولة خلال ثوانٍ، فأصبح التحدي في موضع آخر: ماذا نسأل؟ وكيف نصيغ السؤال؟ وكيف نختبر الإجابة التي حصلنا عليها؟ ربما أصبح امتلاك الإجابات أسهل، لكن ذلك جعل جودة السؤال أكثر قيمة.
دور المعلم في تعليم التساؤل
ويأتي نشر هذا المقال بعد يومين من اليوم العالمي للمعلمين؛ ولعل من أجمل آثار المعلم سؤالًا يظل يعمل في عقل الطالب بعد انتهاء الدرس، فالتعليم الذي يعلّم الإنسان كيف يسأل يمنحه أداة تتجاوز حدود المقرر والصف الدراسي.
لذلك ربما نحتاج، في الاتصال والتعليم والإدارة، إلى مراجعة اعتقاد شائع بأن قيمة المتحدث فيما يقدمه من إجابات فقط. فأحيانًا يكون أقوى ما يمكن أن تقوله للآخر سؤالًا يجعله يصل إلى الإجابة بنفسه.






