27 اتفاقية و2.574 مليار ريال.. الدواجن السعودية في قلب استراتيجية الأمن الغذائي

27 اتفاقية و2.574 مليار ريال.. الدواجن السعودية في قلب استراتيجية الأمن الغذائي

تجاوزت تربية الدواجن في السعودية دورها التقليدي بوصفها نشاطاً زراعياً أو صناعة غذائية عادية، لتصبح عنصراً محورياً في معادلة الأمن الغذائي. والأرقام الصادرة حديثاً من العاصمة الرياض تكشف حجم هذا التحول، إذ جرى توقيع 27 اتفاقية خلال حفل افتتاح معرض الشرق الأوسط للدواجن 2026، بإجمالي استثمارات يتجاوز 2.574 مليار ريال، وبحضور وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبدالرحمن الفضلي، وبمشاركة أكثر من 400 شركة وجهة عارضة من 45 دولة.

غير أن هذه الحصيلة المالية ليست سوى وجه واحد للمشهد؛ فالمسألة الأعمق تتعلق بكيفية بناء السعودية أمنها الغذائي انطلاقاً من منتج يومي حاضر على أغلب الموائد.

لماذا يحتل قطاع الدواجن أولوية؟

يمثل الدواجن مصدراً أساسياً للبروتين، ويتميز باستهلاك واسع في البيوت والمطاعم وسلاسل التموين. ومن ثم، فإن أي خلل في إنتاجه أو أسعاره أو توافره لا يظل محصوراً في نطاق الشركات والمزارع، بل ينتقل أثره بسرعة إلى المستهلك.

لذلك يندرج الاستثمار في هذا القطاع ضمن سياسة أوسع تهدف إلى تقليل هشاشة السوق أمام تقلبات الاستيراد، وارتفاع تكاليف الأعلاف، واضطرابات النقل العالمية، والأزمات الصحية التي قد تمس سلاسل الغذاء.

تطوير لا يقتصر على الكم

الاتفاقيات الموقعة حديثاً لا تركز على زيادة حجم الإنتاج فقط، بل تسعى إلى رفع كفاءة الإنتاج، وتعزيز سلاسل الإمداد، وتوسيع الشراكات الاستثمارية، بما ينعكس إيجاباً على الأمن الغذائي في المملكة.

والنظر إلى الدواجن بوصفها مزرعة فقط يختصر الصورة الحقيقية؛ فهي سلسلة مترابطة تبدأ من الأعلاف، ثم التربية والصحة الحيوانية والأمن الحيوي، مروراً بالتجهيز والتعبئة والتبريد، وصولاً إلى النقل والتوزيع، وانتهاءً برف المتجر أو طبق المستهلك.

وقوة القطاع، وفق هذه الرؤية، تتحدد بقدرة السلسلة كلها على العمل بكفاءة. فإذا ارتفعت تكلفة العلف انعكس ذلك على المنتج النهائي، وإذا تراجعت معايير الصحة الحيوانية تضاعفت المخاطر، وإذا ضعفت منظومة التبريد أو النقل ازداد الفاقد، وإذا تغيبت التقنيات الحديثة بقي الإنتاج أعلى كلفة وأقل تنافسية.

ولهذا تبدو الاستثمارات الجديدة محاولة لبناء منظومة أكثر تماسكاً، وليست مجرد ضخ مالي عابر في صناعة واعدة.

بنية قائمة وطموح أكبر

لا تنطلق الاستثمارات من فراغ؛ فهي تأتي فوق قاعدة إنتاجية راسخة. وكانت وزارة البيئة والمياه والزراعة قد أكدت في بيان لها أن إنتاج الدواجن في السعودية يتجاوز 1.5 مليون طن سنوياً، وأن نسبة الاكتفاء الذاتي تتجاوز 76%، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي واستقرار الأسواق.

وتشير هذه المعطيات إلى أن المملكة لا تبدأ من الصفر، وإنما تتحرك من مستوى متقدم نسبياً نحو هدف أوسع، يقوم على زيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي، وتحسين القدرة على تلبية الطلب الداخلي في الظروف العادية والاستثنائية.

وفي هذا الإطار، يكتسب شعار المعرض «ابتكار اليوم.. إنتاج الغد» دلالة تتجاوز كونه عبارة تسويقية. فالصناعة الحديثة تستند إلى التكنولوجيا في مراقبة المزارع، وتحسين التغذية، والحد من الأمراض، وإدارة درجات الحرارة، ورفع كفاءة خطوط الإنتاج والتعبئة.

كذلك يبرز الأمن الحيوي بوصفه عنصراً حاسماً في قطاع يمكن أن يتأثر بسرعة بالأوبئة أو العدوى. ومن هنا، فإن تكريم فئات مثل «الريادة في الأمن الحيوي لصناعة دواجن آمنة» يشير إلى تحول الاهتمام من الكم وحده إلى الجودة والسلامة والاستدامة.

والمعرض بهذا المعنى ليس مجرد منصة للعرض التجاري، بل هو قناة لنقل المعرفة والتقنيات، وربط السوق السعودية بموردي الحلول والخبرات العالمية. وهذا الربط يكتسب أهمية خاصة في قطاعات مثل الأعلاف والصحة الحيوانية والمعدات والتجهيز، إذ إن توطين جزء أكبر من المعرفة والخدمات يقلل الاعتماد على الخارج، أو يجعل السوق المحلي أقدر على التفاوض والاختيار والتوسع.

والأمن الغذائي هنا لا يُفهم بوصفه اكتفاءً ذاتياً كاملاً من كل شيء، فهذا هدف صعب حتى بالنسبة إلى أكبر الاقتصادات؛ بل المقصود بناء قدرة وطنية أعلى على توفير الغذاء الأساسي بكفاءة واستقرار، ومنح الدولة والقطاع الخاص مساحة أكبر للتحكم في عناصر الإنتاج، بدلاً من بقاء السوق رهينة للأسعار العالمية والشحن والاضطرابات الخارجية. وكلما ازدادت قوة الإنتاج المحلي ومرونة سلاسل الإمداد، تراجعت احتمالات الصدمات الحادة على المستهلك.

ماذا تجني الأسر من هذه الاستثمارات؟

لا يظهر أثر اتفاقيات بمليارات الريالات على المستهلك العادي في اليوم التالي لتوقيعها، لكنه يتبلور تدريجياً في وفرة المنتج، واستقرار الإمداد، وتحسن الجودة، وتنوع الخيارات، وربما في قدرة السوق على امتصاص الأزمات دون قفزات حادة في الأسعار. فالمائدة المستقرة تبدأ بقرارات استثمارية لا يراها المستهلك غالباً، وإن كانت تحدد ما يصل إليه في النهاية.

لذلك فإن 2.574 مليار ريال تستثمر في قطاع الدواجن ليست مجرد خبر اقتصادي عابر من معرض متخصص، بل رسالة واضحة إلى أن السعودية تتعامل مع الغذاء بوصفه ملفاً استراتيجياً تتقاطع فيه الاستثمار والتقنية والزراعة والصحة والتجارة واللوجستيات.

وهكذا، تقدم صناعة الدواجن نموذجاً عملياً لكيفية تحويل منتج يومي يبدو بسيطاً في نظر المستهلك إلى ركيزة أساسية من ركائز الأمن الغذائي الوطني.

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *